يتحدث وات عن بداية الإسلام بتوحيد غامض لم يتضح إلا فيما بعد، ويقول إن: "الأجزاء الأقدم في القرآن لا تحتوي على أي هجوم على الوثنية،
[ ٢٨ ]
بل كانت تقول بوجود توحيد غامض (vague monotheism) عند أتباع محمد، ثم أخذ الإلحاح يشتد على وجود إله واحد مع اشتداد النقد لعبادة الأصنام" (١)، ويدعي أن التوحيد: "لم يكن في الأصل واضح المعالم وبخاصة لم يُبت في أمر اعتبار الكائنات الأقل أهمية [الأصنام] لا تتفق معه تمامًا (٢)، ويقول وات بتدرج تطور التوحيد.
واستقراء وات هنا ليس إلا إسقاطًا للنظرة الغربية فيما يتعلق بتطور الأديان على وقائع الدعوة المحمدية، وإيهامًا بأن الرسول لم يكن يدرك حقيقة أبعاد دعوته ﷺ وما يدعو إليه.
وإذا كان القرآن لم يحاول مهاجمة الوثنية على حد زعمه فماذا عن سورة "الكافرون"، وماذا تعني الآيات: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤-٥] ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، أليس فيها دليل على وقوع خلاف بين محمد ﷺ والمشركين حول مفهوم التوحيد ووجوب عبادة الله وحده دون إشراك، ثم ماذا عن سورة الإخلاص، وما فيها من تكريس لهذا المفهوم ونفي مطلق للشرك؟
لقد كانت الفكرة الجوهرية للدعوة الإسلامية منذ البداية هي عقيدة
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ٦٣.
(٢) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٠٤.
[ ٢٩ ]
التوحيد وهي عقيدة لم تنشأ تدريجيًا، فالرسول ﷺ أصر في أوائل الرسالة على "لا إله إلا الله" وقريش تساومه (١) .
والتصديق بهذه النظرة المنحرفة يظهر في الموسوعة في مواضع منها:
واعتقد بعضهم أن الله "إله أعلى" يفوق الآلهة الأقل مكانة (٢) .
ولم يلبث أن جمع حوله أصدقاء متعاطفين قبلوا دعواه بأنه نبي وصحبوه في العبادات والصلوات الجامعة. ونتجت هذه عن فعل سجود يلمسون فيه الأرض بجباههم اعترافًا بعظمة الرب - لا يزال هذا العمل عظيمًا في العبادة الإسلامية (٣) .
وتنعكس هذه النظرة المنحرفة أيضًا في تأكيد أهمية الكعبة؛ لكونها معلمًا وثنيًا مقدسًا مما جعلها عظيمة في الإسلام:
ويُرجَّح أنهم أحيانًا تعبدوا معًا في الكعبة وهي مكان عبادة لعبدة الأصنام من العرب (٤) .
وتُؤكد سور القرآن المبكرة الموحاة إلى محمد خيرية وقوة الرب كما ترى في الطبيعة وفي رفاهية المكيين وتدعو هؤلاء إلى الامتنان إلى "رب الكعبة"،
_________________
(١) ابن كثير، السيرة النبوية، ص ١٢٤.
(٢) Some men regarded Allah as a “high god” who stood above lesser deities.
(٣) Soon he gathered some sympathetic friends who accepted his claim to be a prophet and joined him in common worship and prayers. These culminated in an act of prostration in which they touched the ground with their foreheads in acknowledgment of God's majesty—still a cardinal act in Islamic worship.
(٤) It is probable that they sometimes worshipped together in the Ka’bah، a sanctuary of the Arab pagans.
[ ٣٠ ]
الذي عرف على أنه الرب (١) .
ويُقترح في بعض الأحيان أن السبب الرئيس وراء المعارضة هو خوف التجار من أن الدين الجديد لن يعترف بالكعبة مكانًا مقدسًا، ولكن هذا الاقتراح بعيد عن الواقع. لقد كان هناك بالتأكيد هجوم على الأصنام ظهر في القرآن، وبدأ الإسلام يُنتقد لتمسكه بأنه "لا إله إلا الله"، ولكن لم يكن هناك هجومٌ على الكعبة، والأصنام المذكورة كان لها معابدها الرئيسة في أماكن أخرى (٢) .
في صيف عام ٦٢١م أعلن اثنا عشر رجلًا من المدينة خلال زيارتهم لمكة من أجل الحج السنوي إلى الكعبة (التي كانت لم تزل معبدًا وثنيًا) إسلامهم سرًا وعادوا للدعاية له في المدينة (٣) .
والتاريخ يشهد أن الكعبة كانت معلمًا توحيديًا رفع قواعدها إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا
_________________
(١) The earliest passages of the Qur’an revealed to Muhammad emphasize the goodness and power of God as seen in nature and in the prosperity of the Meccans and call on the latter to be grateful and to worship “the Lord of the Ka’bah،” who is thus identified with God.
(٢) It is sometimes suggested that the main reason for opposition was the merchants’ fear that the new religion would destroy the recognition of the Ka’bah as a sanctuary، but this is unlikely. Certainly attacks on idols appeared in the Qur'an، and Islam began to be characterized by the insistence that “there is no god but God” (Allah)، but no attack was made on the Ka’bah، and the idols mentioned had their chief shrines elsewhere.
(٣) In the summer of، men from Medina، visiting Mecca for the annual pilgrimage to the Ka’bah (still a pagan shrine)، secretly professed themselves Muslims to Muhammad and went back to make propaganda for him at Medina.
[ ٣١ ]
وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٢٨]، وأن قريشًا كانت تفتخر بدين أبيها إبراهيم، وإنما كانت الكعبة مقدسة عند العرب خلال فترة الوثنية لعلمهم بقداستها من عند الله ﷾، ولم ينكروا وجوده وإنما أتوا بالأصنام في الكعبة وحولها؛ جهلًا منهم وتلبيسًا للشيطان عليهم تقربًا لله بها وتشفعًا عنده ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .
ولكن يظهر أن الموسوعة ومن ورائها وات، وهو من درس تاريخ العرب قبل الإسلام، لم يلفت نظر القارئ إلى هذه الحقيقة التاريخية الكبيرة ليجزِّئ تاريخ مكة ويبدأه من عصر الجاهلية ومن ثم يبين أن هذه هي الركيزة والأرضية الثقافية التي قام عليها الإسلام، وهذه مبالغة في بتر أطراف التاريخ لينساق عاجزًا في الطريق التي أرادوا، إنما دعوة محمد ﷺ أتت لتطهير هذا البيت من الأوثان والشرك للطائفين والعاكفين والركع السجود من جديد (١) .
_________________
(١) سأنبه على لفظ (الدعاية = Propaganda) الوارد في نهاية هذه الشبهة في ص ٦٣.
[ ٣٢ ]