لمونتقمري وات آراء كثيرة حول حقيقة العلاقة بين الرسول ﷺ
[ ٣٧ ]
والأنصار (١)، ولكن ما ينعكس منها على الموسوعة هو الإيحاء بأن الأنصار حين قبلوا محمدا رسولا، وحين نظموا مجيئه إلى المدينة لم يعترفوا له صراحة بحقه في أن يحكم بينهم، وأن محمدًا [ﷺ] اكتفى بأن ينظر إليه على أنه رسول، ولم يطالب بأي امتياز آخر، وأن الطاعة لم تكن واجبة صراحة في الصحيفة التي عرفت فيما بعد بدستور المدينة.
هذا ادعاء زائف غير مدعوم بالوقائع لا يلبث أن ينقشع أمام حقائق التاريخ، فإذا ما رجعنا إلى البنود الستة لبيعة العقبة الأولى بين الأنصار والرسول ﷺ وجدنا من بينها ما ينص على الطاعة للرسول ﷺ دون حصر الطاعة في أي إطار سواء أكان دينيا أم سياسيا، فهي طاعة مطلقة، وكذلك أكدت بيعة العقبة الثانية هذا، وزادت النصرة التامة في جميع الظروف، فكيف يسوغ الزعم بأن الأنصار لم يدينوا للرسول ﷺ سياسيًا إذا كانت الطاعة غير المشروطة بندًا ثابتًا في البيعتين؟ وماذا تعني "الطاعة التامة" في نظر وات؟ (٢) وشدة إعجاب الأنصار بشخصية الرسول ﷺ وتصورهم لمكانته القيادية تظهر في قولهم له عندما دعاهم إلى الإسلام: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك" (٣) .
_________________
(١) مونقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٢٢٨ - ٢٣٨.
(٢) تاريخ الطبري، ٢/٣٥٦ – ٣٦٣.
(٣) الطبري، المرجع السابق، ٢/٣٥٤.
[ ٣٨ ]
ولم تتأثر شخصية القائد عند وضع صحيفة المدينة والاتفاق عليها فهي تنص على أن: "ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله" (١)، فالخلافات الجسيمة التي يخشى من فسادها على المجتمع ترد إلى شخص واحد، ألا يعني هذا أن هذا الشخص الذي يرجعون إليه في أمورهم هو قائد "أهل هذه الصحيفة" الذين هم أهل المدينة كافة؟
وقبيل غزوة بدر أتى رد سعد بن معاذ ﵁ يؤكد ولاء الأنصار للرسول ﷺ إذ قال على الملأ: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة فامض بنا يا رسول الله لما أردت فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" (٢)، أوليس هذا بيانًا بتسليم مقاليد السلطة للرسول ﷺ من أحد سادات الأنصار تكلم فيه باسمهم جميعًا على رؤوس الأشهاد؟
ثم ماذا يعني أن يجيش الرسول ﷺ الجيوش ويرسل السرايا ويعين عليها القادة والأمراء، ألا يعدُّ هذا تعريفًا عمليًا للقائد؟
ويجد هذا الرأي طريقه إلى الموسوعة البريطانية كما يظهر جليًا فيما يأتي:
_________________
(١) الطبري، المرجع السابق، ١/١٢٢ – ١٢٣.
(٢) ابن هشام، سيرة النبي، ٢/٢٥٣ – ٢٥٤.
[ ٣٩ ]
وحفظت وثيقة تعرف بميثاق المدينة ولكن منصوصاتها العامة هي إلى مدى بعيد ما اتفق عليه محمد ومسلمو المدينة. وبصيغتها تؤلف الوثيقة حلفًا على غرار ما عرفه العرب بين تسع مجموعات - ثماني قبائل عربية، إضافة إلى مهاجري مكة. ولم يعط محمد سلطة خاصة عدا أن الديباجة تقول إن الاتفاق تم بين "النبي محمد" والمسلمين الذين يقطنون المدينة، وتنص على أن الخلافات الحادة يجب أن يرجعوا فيها إليه. ورفضت الجماعات اليهودية الاعتراف بمحمد نبيًا، ويظهرون في الوثيقة تابعين لأحلافهم مع القبائل العربية. ولخمسة أعوام على الأقل لم يكن لمحمد سلطة مباشرة على القبائل العربية، ولكن في أواخر سني عمره أضفى عليه مجد نجاحاته العسكرية ما يشبه السلطة الشمولية (١) .
_________________
(١) A document has been preserved known as the Constitution of Medina but its main provisions are almost certainly those originally agreed upon between Muhammad and the Muslims of Medina. In form the document creates a confederation on traditional Arab lines among nine groups-eight Arab clans and the emigrants from Mecca. Muhammad is given no special position of authority، except that the preamble speaks of the agreement as made between “Muhammad the prophet” and the Muslims now resident in Medina، and it is stated that serious disputes are to be referred to him. The Jewish groups had refused to acknowledge Muhammad as prophet and in the document appear in a secondary character as attached to various Arab clans. For at least five years، Muhammad had no direct authority over members of other clans، but، in the closing years of his life، the prestige of his military successes gave him almost autocratic power.
[ ٤٠ ]