ادعى المستشرقون أن الرسول ﷺ كان شخصًا طموحًا نزع إلى السلطة، فهم يقولون إنه منذ حداثة سنه أعد للدور الذي تبوأه لاحقًا. ويلمح إلى هذا وات في كتابه "محمد: نبي ورجل دولة" بل ويجعله أساسًا يستند إليه في
[ ٣٤ ]
تفسيره لكثير من وقائع السيرة، ويعزو له النجاح الباهر الذي حققته الرسالة المحمدية.
ولاشك في أن الرسول ﷺ هو أكمل الناس في كل شيء، ومن بين ذلك توقد الذهن وسداد الرأي، ولكن من المبالغة بمكان أن نعزو نجاح الرسالة المحمدية الباهر إلى شخص الرسول ﷺ ونغفل التأييد والإلهام الإلهي، ومن جموح الفكر أن نسرح به بعيدًا ونضفي بعدًا ماديًا صرفًا على وقائع السيرة ومن ثم نعود عليها ونقرؤها من وجهة نظر أحادية، كل هذا من أجل أن نرد الأمور كلها إلى منطلق زائف وهو أن هذا الدين هو من عند محمد وليس من عند الله.
فإذا كان محمد ﷺ مجرد رجل سياسة نابغ طموح لماذا لم يظهر كل هذا الطموح إلا بعد انقضاء أربعين عامًا من عمره، أوليس الطموح والنزوع إلى السلطة تظهران في ريعان الشباب؟ وهو الذي لم يذكر لنا أحد أنه تبوأ منصبًا قياديًا في قريش قط. بل إنه لحكمة أرادها علام الغيوب ﷾ انتهج خطا هادئًا بين رعي الأغنام والتجارة والتحنث، يقول الله ﷾ واصفًا حال نبيه الكريم في بداية دعوته ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ترى هل كانت قريش لتسخر منه ﷺ لو علمت أنه كان فيه نزوع للسلطة ورغبة في قيادتها وخبروا ذلك فيه وعاصروه، نعم كان في محمد ﷺ طاقات كامنة ما كانت لتتفجر إلا بعد أن اصطفاه رب العالمين ﷾ بالرسالة وآزره بتأييده مما أدى إلى ظهورها على أكثر من صعيد وموقف، يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] .
[ ٣٥ ]
ومن المواضع التي تلمح إلى هذا المنطق في الموسوعة، التالي:
وانسلخ مع كبير ضباطه دون أن يحسوا به، وسلك طرقًا غير مطروقة، ووصل بسلام إلى المدينة في يوم ٢٤ سبتمبر عام ٦٢٢م (١) .
*وصفُ أبي بكر هنا بـ "كبير الضباط" لم يأت عفو الخاطر، بل يرى وات أن الرسول ﷺ هاجر إلى المدينة بعدما هاجر عدد كبير من المسلمين إليها ليوفروا له الحماية عند قدومه إليها من الاعتداءات، ويقللوا من اعتماده على المدنيين (٢) .
*أضعف [نصر المسلمين ببدر] أخطر معارضيه هناك المنافق أو المسلم لسانا عبد الله بن أبي الذي تحالف مع اليهود المحليين. وبقية المترددين من العرب ربما أسلموا في ذلك الوقت، ولهذا عزز نصر بدر من قوة محمد. وفي الوقت نفسه استخدم علاقات الزواج ليزيد من ترابط المهاجرين (٣) .
الفوز بالمكيين. وبُعْد نظر محمد كرجل دولة بدا جليا في السياسات التي تبناها بعد ذلك. كان بوسعه التقدم للقضاء على المكيين-وهو قام بالفعل بممارسة الضغط الاقتصادي عليهم- ولكن غرضه الرئيس كان الفوز باتباعهم
_________________
(١) With his chief lieutenant he slipped away unperceived، used unfrequented paths، and reached Medina safely on September،
(٢) انظر محمد مهر علي، Sirat al-Nabi ﷺ and the Orientalists، ص ٩٢١-٩٢٣.
(٣) This weakened his most serious opponent there، the “hypocrite” (munafiq)، or nominal Muslim، 'Abd Allah ibn Ubayy، who was allied with the local Jews. The remaining waverers among the Arabs probably became Muslims about this time. Thus the victory of Badr greatly strengthened Muhammad. At the same time he was using marriage relationships to bring greater cohesion to the emigrants.
[ ٣٦ ]
الإسلام طواعية (١) .
*السنوات الأخيرة: توحيد جزيرة العرب. منذ الهجرة بدأ محمد في تأليف أحلاف مع القبائل البدوية. وفي بداية الأمر ربما كانت هذه معاهدات عدم اعتداء، ولكن عندما أصبح قويًا بقدر كاف بدأ بعرض حمايته عليهم شريطة أن تصبح القبيلة مسلمة (٢) .
*واستفاد محمد من هزيمة إمبراطورية فارس من قبل الإمبراطورية الرومية (النصرانية) (٦٢٧-٦٢٨م)؛ لأن الأقليات في اليمن وفي أماكن على الخليج العربي -التي كانت معتمدة على الدعم الفارسي ضد الإمبراطورية الرومانية- وجهت أنظارها تلقاء محمد (٣) .
وكل هذه استنتاجات من كاتب المادة، ولا دليل عليها من واقع أو تاريخ.
_________________
(١) The winning of the Meccans: Muhammad’s farsightedness as a statesman is manifest in the policies he next adopted. He might have proceeded to crush the Meccans، and he indeed put economic pressure on them; but his main aim was to gain their willing adherence to Islam.
(٢) The closing years: the unification of Arabia: Ever since the hijrah، Muhammad had been forming alliances with nomadic tribes. At first these were probably nonaggression pacts، but، when he was strong enough to offer protection، he made it a condition of alliance that the tribe should become Muslim.
(٣) Muhammad benefitted from the defeat of the Persian Empire by the Byzantine (Christian) Empire ()، for، in the Yemen and in places on the Persian Gulf، minorities that had relied on Persian support against Byzantium now turned to Muhammad instead.
[ ٣٧ ]