يعطي وات قدرًا ضئيلًا من الأهمية للاضطهاد الذي تعرض له المسلمون في مكة مما دفعهم إلى الهجرة، ويرى بأن المسلمين قاموا باختلاق هذه الروايات في وقت لاحق رغبة في تضخيم التضحيات التي قام بها المسلمون (٢) .
ومن الطبعي أن يُضطهد النذر وأصحاب الرسالات ومناصروهم في مجتمعاتهم وأن يضيق عليهم الخناق، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، والمعارضة القرشية جاءت على القدر الذي جاءت عليه من القوة بسبب أن هذه الرسالة التي خرجت بين ظهرانيهم تحدت جميع ما آمنوا به من لدن آبائهم الأولين وما تعودوا عليه من طريقة عيش وإدارة شؤونهم الحياتية.
وفي هذا الصدد يقول ابن هشام (٣) إن الرسول ﷺ: "لما بدأ يدعو
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ١٤٥-١٤٦.
(٢) ابن هشام، سيرة النبي، ١/٢٧٥ – ٢٧٦.
[ ٥٩ ]
للإسلام لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله بالإسلام، وهم قليل مستخفون"، ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٤-٦]، ومشوا إلى الرسول ﷺ وساوموه قائلين: "يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا " فقالوا: وإنا والله لا نتركك وما بالغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا" (١)، فما بال وات يثير الشبه حول تضخيم الحقائق، وهذه قريش تضع أغلى ما تملك بين يدي رسول الله ﷺ.
وأما بالنسبة لأمر الهجرة إلى الحبشة فلما كان أن استورى أمر الدعوة غضب المشركون فأخذوا من أسلم مع الرسول بالشدة والقسوة " فكانت
_________________
(١) ابن هشام، المرجع السابق، ١/٣١٥ – ٣١٧.
[ ٦٠ ]
فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ﷺ من أهل الإسلام، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فُعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ف ذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح" (١)، فمن الواضح من هذا العرض الذي لا تكاد مصادرنا تختلف عليه أن المسلمين الذين هاجروا بأنفسهم ودينهم من اضطهاد مشركي مكة، وكان ذلك استجابة لأمر الرسول ﷺ الذي اختار البقاء، ولكن الموسوعة تذكر دافعًا ماديًا وراء الهجرة إلى الحبشة وهو الاشتغال بالتجارة أو ضمان دعم عسكري.
*ويصعب تقويم طبيعة ومقدار اضطهاد المسلمين في مكة. فقد كان هناك قليل من العنف الجسدي وكان ذلك غالب الوقت من قبل العائلة. وعانى محمد من مضايقات صغيرة مثل وضع النفايات خارج داره. ويقال: إن هذا الاضطهاد أدى إلى هجرة بعض المسلمين إلى أثيوبيا حوالي عام ٦١٥م ولكنهم ربما كانوا يبحثون عن فرص للتجارة أو دعم عسكري لمحمد. وبقي بعضهم حتى عام ٦٢٨م وذلك لمدة طويلة بعد أن دانت الأمور لمحمد في المدينة. ومهما كانت طبيعة هذا الاضطهاد فقد أوغرت صدور المسلمين بسببه (٢) .
_________________
(١) تاريخ الطبري، ٢/٣٢٨ – ٣٢٩.
(٢) It is difficult to assess the nature and extent of the persecution of the Muslims in Mecca. There was little physical violence، and that almost always within the family. Muhammad suffered from minor annoyances، such as having filth deposited outside his door. The persecution is said to have led to the emigration of some of the Muslims to Ethiopia about، but they may have been seeking opportunities for trade or military support for Muhammad. Some remained until، long after Muhammad was established in Medina. Whatever the nature of the persecution، the Muslims were very bitter about it.
[ ٦١ ]
*ومورس ضغط تجاري على مؤيدي محمد، وفي بعض العائلات كان هناك اضطهاد بسيط لأفرادها الصغار الذين اتبعوه (١) .
وهناك قضايا أخرى تعرضت لها الموسوعة تفضح بجلاء عدم التزام الموسوعة ومن وراءها الأسلوبَ العلمي الرصين الذي تزعم اتباعه مما يكشف عن الوجه القبيح للموسوعة دون حجاب اللغة العلمية، ومن الأمثلة على هذا التهجم الصريح على الرسول الكريم ﷺ، واستخدام لغة مغرضة مثل: كلمة propaganda التي تعني "دعاية" وبخاصة دعاية كاذبة لفكر جماعة ذات طابع سياسي تحوم حول نشاطاتها الشكوك، وذلك عند الحديث عن من أسلم من أهل المدينة في بيعة العقبة الأولى والذين قالت عنهم الموسوعة أنهم عادوا بعد البيعة ليشيعوا "دعاية" محمد ﷺ في المدينة؛ واستخدام كلمة razzia وتكرارها عند الحديث عن غزوات الرسول ﷺ، وهي كلمة إنجليزية أتت إليها عن طريق الفرنسية التي أخذتها بدورها عن كلمة "غزوة" العربية، ولكنه في استخدامها الإنجليزي الحالي أشبه ما تكون بكلمة "غارة"، ويفسر وات بأن "الغارات" التي شنها المسلمون: "تمثل انعكاسًا طبيعيًا للحياة العربية التي كانت الغارات فيها لونًا من الرياضة وليست شكلًا من أشكال الحرب" (٢)،
_________________
(١) Commercial pressure was brought to bear on Muhammad’s supporters، and in some families there was mild persecution of junior members who followed him.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad: Prophet and Statesman، ص ١٠٥.
[ ٦٢ ]
ليعني بذلك أن النهب هو الأسلوب الأمثل للحصول على مورد رزق (١)؛ واستخدام كلمة showdown عند الحديث عن محاولة الرسول ﷺ اللحاق بالمشركين بعد أن ولَّوا هاربين من أرض معركة أحد، والكلمة فيها كثير من السخرية وتعني تظاهرًا بفعل الشيء يداخله التمثيل والكذب، والموسوعة تقول إن الرسول الكريم ﷺ قام بتمثيل أنه أراد اللحاق بالمكيين، وذلك للاعتقاد السائد عند المستشرقين بأن معركة أحد كانت نصرًا للمكيين.
_________________
(١) عبد الرحمن أحمد سالم، "قراءة نقدية في كتابات مونتقمري وات في السيرة النبوية"، ص ١١٦.
[ ٦٣ ]