كتب وات في مقدمة كتابه Muhammad at Mecca أي "محمد في مكة" تعريفًا بمنهجه الذي اتبعه في دراسة السيرة النبوية، وأوضح أن دراسته موجهة أساسا إلى المؤرخين، وأنه حاول التزام الحياد في القضايا الخلافية، ويحاول وات طمأنة المسلمين إلى أنه قد حاول، مع التزامه بقواعد البحث
[ ١٣ ]
التاريخي الغربية، ألا يقول شيئًا يقتضي رد مبدأ من مبادئ الإسلام الأساسية، ورغم هذا الادعاء يرسم الأستاذ عبد الله محمد النعيم (١) ملامح منهج وات ويفصّله وفقًا للنقاط التالية:
القفز إلى نتيجة مفادها أن النبي ﷺ تأثر بالبيئة من حوله وبأفكار ورقة بن نوفل والمسيحية واليهودية، وحاول وات جهده إظهار مواطن يزعم أنه انعكس فيها تأثر الرسول ﷺ بما حوله على الإسلام؛ ليثبت أنه جاء به من تلقاء نفسه.
يلقي وات بظلال المنهج العلماني التشكيكي الذي لا يؤمن بالغيب ولا بالمعجزات على السيرة النبوية، فهو ينكر حدوث أي شيء خارق للعادة مثل حادثة شق صدره ﷺ وحدوث الوحي وغيرها من الآثار الثابتة عن النبي ﷺ، حيث يقول بشأنها: "إن هناك العديد من القصص ذات الطابع الديني يكاد يكون من المتيقَّن أنها ليست حقيقة من وجهة نظر المؤرخ العلماني الواقعية" (٢) .
يعمد وات إلى المنهج المادي، ويذكر أن المؤرخ أكثر إدراكا للعوامل المادية الكامنة وراء التاريخ، وبأن مؤرخ منتصف القرن العشرين سيثير أسئلة كثيرة عن الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسة للحركة التي بدأها محمد، من غير أن يهمل أو يقلل من شأن الجوانب العقدية (٣)، ولذا نراه يعزو ظهور الدعوة إلى الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي سادت في مجتمعه ﷺ، ويفسر
_________________
(١) عبد الله محمد النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية، ص ٣٨ – ٤٧.
(٢) مونتقمري وات،Muhammad at Mecca، ص ٣٣.
(٣) مونتقمري وات،Muhammad at Mecca، ص ٣٣.
[ ١٤ ]
الغزوات الإسلامية من هذا المنطلق.
يسقط وات الرؤية الغربية المعاصرة على أحداث السيرة، فنراه يطبق نظرية تدرج تطور الأديان أيًا كانت على الدين الإسلامي حيث يتحدث عن توحيد غامض في بداية الدين الإسلامي ويتدرج ليصل إلى ما نعرفه اليوم.
التشدد في اتباع منهج الإقصاء واعتماد الضعيف والشاذ، حيث يسرف وات في نفي الروايات الإسلامية إذ لا تكاد رواية إسلامية تنجو من تضعيفه لها دون إعطاء مسوّغ واضح لإقصاء هذه الرواية أو تلك، ونراه في المقابل يعتمد روايات ضعيفة وشاذة تحمل في طياتها التشكيك في دوافع وقائع السيرة وأهدافها؛ ليبين أنه موضوعي يعمد إلى المنطق دون الإيمان.
الإكثار من منهج البناء والهدم، حيث لا تخلو بعض جوانب السيرة من الثناء في كتابات وات الذي سرعان ما يتبعه نقدًا، فمثلًا نراه يسهب في الحديث عن حكمة النبي ﷺ ليقول إن من له مثل هذه الحكمة لم يكن ليدعو قيصر الروم وكسرى فارس للدخول في الإسلام ليلفت انتباههم بذلك إلى الخطر الذي يشكله على ملكهم (١) .
ولكي تكتمل الصورة عن منهج وات، فيجدر بنا الحديث عن المصادر التي اعتمد عليها في دراسته للسيرة النبوية، حيث رجع إلى مصادر موثوقة مثل ابن هشام والطبري والواقدي وابن سعد، فأخذ منها ما اخذ ورد منها ما رد وشكك في كثير من الروايات الواردة فيها، وكذلك رجع إلى دراسات غلاة المستشرقين من أمثال ب.؟. لامانس وجوزيف شاخت وليون كاتياني
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٤١ - ٤٢.
[ ١٥ ]
ورتشارد بي وتيودور نودلكه وبروكلمان، ويصل به التأثر ببعضهم إلى القول: "إن مخالفة قولد زيهر ليست بالأمر السهل" (١) .
وبما أن الموسوعة البريطانية استكتبت وات ليشارك فيها بمادة "محمد: النبي ورسالته"، فليس من الغريب أن يؤثر منهجه فيما كتب في المادة وأن تعكس كثيرا من آرائه، وهذا ما سنحاول الوقوف عليه في المحور الآتي.
_________________
(١) مونتقمري وات،Muhammad at Mecca، ص ٨٢.
[ ١٦ ]