قلنا إن سكان الجزيرة ينقسمون إلى بدو، وحضر، وكان النظام السائد بينهم هو النظام القبلي، حتى في الممالك المتحضرة التي نشأت بالجزيرة: كمملكة اليمن في الجنوب، ومملكة الحيرة في الشمال الشرقي، ومملكة الغساسنة في الشمال الغربي، فلم تنصهر الجماعة فيها في شعب واحد، وإنما ظلت القبائل واحدات متماسكة.
والقبيلة العربية مجموعة من الناس، تربط بينها واحدة الدم (النسب)، وواحدة الجماعة، وفي ظل هذه الرابطة نشأ قانون عرفي ينظم العلاقة بين الفرد والجماعة، على أساس من التضامن بينهما في الحقوق والواجبات، وهذا القانون العرفي كانت تتمسك به القبيلة في نظامها السياسي والاجتماعي «١» .
والقبيلة لها رئيس يسمى «السيد» أو «الشيخ» وأحيانا يطلقون عليه الأمير، أو الملك.
وهذا الرئيس إنما ترشحه للرياسة منزلته من القبيلة وصفاته، وخصائصه، من شجاعة، ومروءة، وكرم، ونحوها، فمن ثمّ لم تكن هذه الرئاسة وراثية، فقد تنتقل هذه الرئاسة إلى ابنه إذا كان كفئا وإلا فلابن أخيه، أو لغيره إذا لم يكن كذلك.
ولرئيس القبيلة حقوق أدبية ومادية، فالأدبية أهمها احترامه وتبجيله، والاستجابة لأمره، والنزول على حكمه وقضائه، وأما المادية فقد كان له في كل غنيمة تغنمها (المرباع) وهو ربع الغنيمة، و(الصفايا) وهي ما يصطفيه لنفسه من الغنيمة قبل القسمة، و(النشيطة) وهي ما أصيب من مال العدو قبل اللقاء، و(الفضول) وهو ما لا يقبل القسمة من مال الغنيمة، وقد أجمل الشاعر العربي ذلك بقوله:
_________________
(١) مكة والمدينة، ص ٣٤.
[ ١ / ٦٠ ]
لك المرباع فينا، والصفايا وحكمك، والنشيطة، والفضول «١»
وعليه إزاء هذه الحقوق واجبات كثيرة، ومسؤوليات ضخمة، فهو في السلم جواد كريم، مسؤول عن إكرام الضيوف، وقرى الوافدين، وعابري السبيل، وإغاثة المحتاج من أبناء القبيلة، وإجارة المستجير، وفي الحرب يتقدم الصفوف، ويعقد الصلح، والمعاهدات.
وقصارى القول أنه رمز القبيلة، ولسانها الناطق، وعقلها المعبّر بمعونة العقلاء ذوي التجربة والسنّ من رجال القبيلة.
وتسود الحريّة النظام القبلي، فقد نشأ العربي في جو طليق، وفي بيئة طليقة، فمن ثم كانت الحرية من أخص خصائص العرب، ويعشقونها، ويأبون الضيم والذل.
وكل فرد في القبيلة ينتصر لها، ويشيد بمفاخرها، وأيامها، وينتصر لكل أفرادها محقا أو مبطلا، حتى صار من مبادئهم: «انصر أخاك ظالما، أو مظلوما» وكان شعارهم:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
والفرد في القبيلة تبع للجماعة، وقد بلغ من اعتزازهم برأي الجماعة أنه قد تذوب شخصيته في شخصيتها، قال دريد بن الصمة:
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد