ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي الأول، من أشهرهم:
١- موسى بن عقبة: مولى الزبيريين، والظاهر أنه استفاد من هذه الصلة، قال فيه الإمام مالك: «عليكم بمغازي ابن عقبة، فهي أصح المغازي» . وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ينقل عنه ابن سعد والطبري بعض أخبار السيرة، وقد روى له البخاري في الصحيح «١»، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائة.
٢- محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي: وهو من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي «عين التمر» سباه خالد بن الوليد، وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل له: المطّلبي ولد نحو سنة خمس وثمانين، لقي كثيرا من علماء المدينة وأخذ عنهم، قال فيه الإمام الشافعي: «من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق» وهو يعتبر ثقة في المغازي، لكنه مضعّف في رواية الحديث، وجرحه بعض المحدثين، وأثنى عليه اخرون، ألف ابن إسحاق كتابه المغازي، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في السيرة، ألّفه للمهدي بأمر أبيه المنصور، جمع فيه تاريخ العالم منذ خلق الله ادم إلى زمنه، وقد طوّل فيه فلم يرضه المنصور، وأمره باختصاره فاختصره، ولكن الكتاب جاء بعد هذا يفيض بالكثير مما لا يتصل بسيرة الرسول، ويعرض الكثير مما لا يؤيده دليل، ويفشو فيه الشعر المنحول «٢»، والخبر المفحش، والرواية
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب الخندق، وباب غزوة بني المصطلق، تعليقا في التراجم، وروى له في أصول الكتاب.
(٢) المنسوب لغير قائله.
[ ١ / ٣٠ ]
المنكرة، هذا إلى سوقه على نهج لا يؤلف بين أجزائه نظام «١»، وأيضا فله أوهام أغلاط- فيه كما سنبين بعض ذلك فيما يأتي، توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل اثنتين وخمسين.
٣- الواقدي محمد بن عمر بن واقد مولى بني هاشم: كان الثاني بعد ابن إسحاق في العلم بالمغازي والسير والتواريخ، وكان معاصره مع صغر سنه عنه، وقد لقي الكثيرين من الشيوخ، وروى عنهم، وكان كثير العلم بالتاريخ والحديث، وقد اختلف في تقديره المحدّثون ما بين معدل ومجرّح له، ويروى أنه اختلط «٢» في اخر عمره، قال فيه البخاري: «منكر الحديث» ولكنهم لا يطعنون في سعة علمه بالمغازي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «إنه بصير بالمغازي» على حين قال فيه أيضا «الواقدي يركب الأسانيد» «٣» . عني الواقدي بالمغازي والسير بخاصة، والتاريخ الإسلامي بعامة، وكان لا يعرف كثيرا من أمور الجاهلية.
وقد كانت كتبه عمدة للمؤرخين من بعده، ونقلوا منها واقتبسوا، وللواقدي كتاب «التاريخ الكبير» مرتب على السنين، اقتبس منه الطبري في تاريخه كثيرا، وكتاب «الطبقات» ذكر فيه الصحابة والتابعين حسب طبقاتهم، ويظن أن كاتبه ابن سعد قد تأثر به في «طبقاته»، ولم يبق لنا من كتبه إلا كتاب «المغازي» وكان من أكبر المصادر التي اعتمد عليها الطبري في تاريخه، توفي ببغداد سنة سبع ومائتين وقيل تسع.