ثم جاء بعد ذلك طبقة أخرى، من مشاهيرهم:
١- أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري «٤»: من
_________________
(١) مقدمة مختصر سيرة ابن هشام، ص ٣.
(٢) أصابته غفلة وسوء حفظ.
(٣) أي يضع للمرويات أسانيد قوية بدل الضعيفة.
(٤) بفتح الميم والعين المهملة، وبعد الألف فاء مكسورة، نسبة إلى المعافر بن يعفر قبيل كبير، ينسب إليه بشر كثير عامتهم بمصر.
[ ١ / ٣١ ]
مصر، وأصله من البصرة، وله كتاب في «أنساب حمير وملوكها» وكتاب في «شرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب» وله الكتاب الذي اشتهر به «السيرة» وهو مختصر لسيرة ابن إسحاق، مع بعض الزيادات، أو التعقبات والتصحيحات، ولئن كانت سيرة ابن إسحاق لم تصلنا بعينها فقد وصلتنا مهذبة على يد ابن هشام.
وقد تلقّاها عن زياد بن عبد الله البكّائي «١» (المتوفى سنة ١٨٢) عن ابن إسحاق وقد بين ابن هشام في المقدمة منهجه حيال سيرة ابن إسحاق فقال:
«وأنا- إن شاء الله- مبتدىء هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول الله ﷺ من ولده، وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله، وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة- للاختصار، إلى حديث سيرة رسول الله ﷺ، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق مما ليس لرسول الله فيه ذكر، ولا نزل فيه من القران شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له، ولا شاهدا عليه- لما ذكرت من الاختصار-، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعضه لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص- إن شاء الله تعالى- ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به» «٢» .
من أجل هذا نسي ابن إسحاق، وذكر ابن هشام، فلم يعد يذكر هذا الكتاب في السيرة إلا مقرونا باسم ابن هشام، لا يكاد يذكر ابن إسحاق إلى
_________________
(١) هو أبو محمد زياد بن عبد الله البكائي شيخ ابن هشام، روى عنه البخاري في كتاب الجهاد، وخرّج له مسلم في مواضع من كتابه، وكفى بهما مزكّيين، وموثّقين، وذكر البخاري في «التاريخ» عن وكيع قال: «زياد أشرف من أن يكذب في الحديث»، وقد وهم الترمذي، فنقل عن البخاري أنه قال: «قال وكيع: زياد على شرفه يكذب في الحديث» ولو صح ما نقله عنه الترمذي لما خرّج له حديثا، ولا خرّج له مسلم (الروض الأنف، ص ٥) .
(٢) سيرة ابن هشام، ج ١ ص ٣.
[ ١ / ٣٢ ]
جانبه، وهذا بالنسبة للمتأخرين، أما المتقدمون فلا يذكرون إلا ابن إسحاق، وكانت وفاة ابن هشام سنة ثماني عشرة ومائتين.
وقد شرح هذه السيرة شرحا يدل على تبحّر في العلم، وتضلّع في علم اللغة والأدب والأخبار، الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي «١» الأندلسي، المولود سنة ثمان وخمسمائة والمتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، في كتابه القيم «الروض الأنف» وكان﵀- إلى جانب علمه معروفا بالصلاح، والتقوى، والورع.
٣- محمد بن سعد تلميذ الواقدي وكاتبه: يدوّن له كتبه وأخباره، ومن أجل هذا لقب «بكاتب الواقدي» ولد بالبصرة سنة ثمان وستين ومائة، واباؤه موال للحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وأجلّ كتبه «الطبقات الكبير» في ثمانية أجزاء، وقد خصّص الجزء الأول والثاني من كتابه لسيرة رسول الله ﷺ ومغازيه، وخصّص الأجزاء الستة الاخرى لأخبار الصحابة والتابعين مرتبا لهم على حسب الأمصار، ثم رتّب علماء كل مصر حسب شهرتهم وزمنهم، وقد حظي ابن سعد بثناء بعض المحدثين، قال فيه الخطيب البغدادي: «محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرّى في كثير من روآياته» وهو أحد شيوخ المؤرخ الكبير البلاذري، وتوفي ببغداد سنة ثلاثين ومائتين «٢» .
وممن عرف في التأليف في المغازي من طبقة تلي هؤلاء:
سعيد بن يحيى، بن سعيد، بن أبان، بن سعيد، بن العاص، بن أبي أحيحة، أبو عثمان البغدادي: ثقة ربما أخطأ، من العاشرة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقد قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبيه يحيى بن سعيد بن أبان: «المحدّث الثقة، وحدّث عنه ابنه سعيد بن يحيى
_________________
(١) سهيل الذي ينسب إليه واد بالأندلس من كورة «مالقا»، وفيه قرى، وفي إحدى هذه القرى ولد السهيلي.
(٢) ضحى الإسلام، ج ٢ ص ٣٢٠- ٣٣٨.
[ ١ / ٣٣ ]
صاحب المغازي، وأحمد بن حنبل» وكانت وفاته سنة تسع وأربعين ومائتين، ولعله هو الذي يعنيه الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته بقوله: قال الأموي.