لن أقصر دراستي في السيرة النبوية على السرد التاريخي فحسب، كما صنع معظم المتقدمين، وبعض المتأخرين، ولا على التعليق على مواقف السيرة، أو جلها، مع إغفال الهيكل الأصلي، أو الجانب التاريخي كما صنع بعض المحدثين، وإنما جمعت بين الحسنيين: الهيكل التاريخي مع تحرّي الحقيقة، والتعليق على المواقف، ولا سيما الحاسمة في تاريخ الدعوة، وانتزاع العبر النافعة، والدروس المفيدة منها.
وما أذكر أنى تركت حدثا مهما، أو موقعة فاصلة، أو سرية مهمة، أو عملا بارعا، أو سياسة راشدة، أو قيادة حكيمة، أو أي تصرف كريم للنبي ﷺ، أو لأحد أصحابه، إلا وقفت عنده، أو عندها وقفة أو وقفات، ليتبين للقارىء فرق ما بين الأخلاق المحمدية، وسياساته الحكيمة الرشيدة في السلم، والحرب، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء، وما بين أخلاق غيره، وسياسته ومعاملته لأصحابه، ولأعدائه، مهما بلغ ذلك الغير من العقل، والعلم، والكياسة، والسياسة، والقيادة، والعدل، والرحمة؛ لكي أخلص من ذلك إلى الفرق البعيد ما بين النبوة، وغير النبوة، والبشر الرسول، وغير الرسول.
_________________
(١) يقال فلان ابن بجدتها، للعالم بالشيء، وأبو عذرتها إذا أتى بما لم يسبق إليه.
[ ١ / ١٦ ]
وفي الحق أن المحدثين في باب التحليل، والتعليق، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدّة ورواء، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الاخرين.