بطل من أبطال قريش .. وسيد من سادتها .. هدَّته قريش كما هدته السنون والأحزان .. كان خلف رسول الله - ﷺ - يحميه .. يدفع عنه .. رضي بالعيش في السجن معه وقاسمه معاناته .. لكنها الأيام لا ترحم .. والأقدار إذا أقبلت فلا راد لها .. جاءت الأقدار فسقط أبو طالب مريضًا على فراشه .. ما زال على كفره .. قد تشبع رأسه بعيب قريش .. كان يخشى النقيصة .. يخشى أن تعيره مكة بعد موته بأنه قد ترك دين آبائه وأجداده .. واشتد به المرض .. ولعل سجن الشعب من أسبابه .. ودنا الأجل (ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ -، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية. فقال رسول الله - ﷺ -:
يا عم قل: "لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله".
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية:
يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟
[ ١ / ١٧٣ ]
فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة) (١) (قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك) (٢).
كان - ﷺ - يعيدها، يكررها: (أي عم قل لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله) (٣) (فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: "هو على ملة عبد المطلب".
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله - ﷺ -:
"أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٤).
وأنزل الله تعالى في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥).