لقد تعب أبو لهب من الركض خلف رسول الله ﷺ وأتعب يديه وتعبت زوجته من هذا التراب ينثرونه فوق رأس رسول الله ﷺ .. والشوك يغرزونه في طريقه .. لقد تعب أبو لهب وأتعب معه رسول الله ﷺ .. لكن تلك السنوات من الصبر والعرق كانت كفيلة بانتشار عبير الإِسلام فأخبار رسول الله ﷺ تطايرت هنا وهناك .. فصادفت قلوبًا مفتوحة ..
_________________
(١) إسناده قوى: رواه الإِمام أحمد (الفتح الرباني ٢٠/ ٢١٧) فقال: حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا ابن أبي زائدة قال. قال ابن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، قال: سمعت ربيعة الديلي يقول: وقال أحمد أيضًا: حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان، حدثني سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، حدثنا محمَّد بن المنكدر أنه سمع ربيعة الديلي يقول: رأيت رسول الله ﷺ يطوف على الناس. بمنى من هذين الطريقين طريق ضعيف، وهو الإسناد الأول؛ لأنه من رواية حسين بن عبد الله ابن عبيد بن عباس، قال الحافظ في التقريب (١/ ١٧٦): ضعيف لكن يشهد له الطريق الثاني فهو به قوي، فشيخ أحمد: سعيد بن أبي الربيع السمان صدوق، قال ابن حبان: يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه. وهذه ليست منها. انظر ذيل الكاشف (١١٨) وشيخه سعيد بن سلمة صدوق أيضًا. انظر التهذيب (٢/ ٤١) وشيخه محمَّد بن المنكدر ثقة فاضل قاله في التقريب (٢/ ٢١٠).
[ ١ / ١٤٢ ]
نفوسًا فسيحة .. فتعلقت بما سمعت وعشقته .. وأتعبت مطاياها في البحث عنه .. قلب أبي ذر من تلك القلوب .. ها هو يحدث من حوله عن ذلك الحب .. عن ذلك الشوق فيقول:
(كنت رجلًا من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وائتنى بخبره.
فانطلق، فلقيه، ثم رجع، فقلت:
ما عندك؟ فقال:
والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له:
لم تشفنى من الخبر. فأخذت جرابًا وعصًا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قلت: نعم.
قال: فانطلق إلى المنزل. فانطلقت معه لا يسألني عن شىء، ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشىء، فمر بي علي. فقال:
أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قلت:
لا. قال:
انطلق معي. فقال علي:
ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قلت له:
إن كتمت علي أخبرتك. قال:
فإني أفعل. قلت له:
[ ١ / ١٤٣ ]
بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفنى من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال علي بن أبي طالب:
أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدًا أخافه عليك. قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت، فمضى ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي ﷺ، فقلت له:
اعرض علي الإِسلام. فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي:
يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل.
فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد، وقريش فيه. فقال أبو ذر:
يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فقالوا:
قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت لأموت، فأدركنى العباس، فأكب علي، ثم أقبل عليهم، فقال:
ويلكم، تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار.
فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس.
فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع مثل ما صنع بالأمس، وأدركنى العباس، فأكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس) (١).
كان الشرك رعبًا تطوف أشباحه في دروب المسلمين فترقب أبوابهم وأفواههم .. علي بن أبي طالب لا يستطيع التحدث بالأمر خوفًا على
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري.
[ ١ / ١٤٤ ]
رسول الله ﷺ .. وأبو ذر كذلك .. ولما سأل علي ضيفه سؤالًا عاديًا .. كان الجواب غير عادي .. لقد سأله علي -﵁- فقال: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك. قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت. ففعل، فأخبره) (١).
إن على الكلمات رقيبًا .. وما لم تثق بمحدثك فإن الكلمات مجازفة بالحياة .. والصمت أسلم .. وبعد أن أسلم أبو ذر .. لم يعطه ﷺ شيئًا غير الشهادتين .. لم يخبره عمن أسلم حتى أنه كان يقول: (كنت ربع الإِسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع) ومن المعروف أن هناك الكثير ممّن أسلم قبله .. ولم يعده النبي ﷺ بنصر في الدنيا .. بل إنه لم يتدخل إطلاقًا عندما ضربه كفار قريش وكاد أن يموت بين أيديهم .. لقد أشار عليه ﷺ بالكتمان وأمره بالرجوع إلى أهله .. لكن حماس أبي ذر طغى فنال من قريش ما نال.
أبو بكر الصديق يناله العذاب أيضًا .. يؤذونه ويشتمونه ويتعرضون له في الطرقات حتى أصبحت مكة أضيق من موضع قدميه .. عندها قرر الهجرة إلى أرض يجد فيها شمسًا وهواء وعبادة .. بعيدًا عن أرجاس الطغاة وسياطهم ..