يشق الأودية والجبال .. على قدميه الدامتين المتعبتين .. بلا راحلة .. فقيرٌ لا يملك ثمنها .. يحمله حزنه يصعد جبال الطائف يفتش عن أمل .. يبحث عن معين .. يبحث عن يد حانية .. تحمل هذا الدين برفق .. تقدمه للتائهين .. للجائعين للمعدمين وحتى للمترفين .. يبحث عن بقية خير في قلوب خارج مكة .. عن أقوام تتمرد على هذه الأصنام والعادات والشرع الشركي الملوث. يقول عبد الله بن جعفر:
(لما توفي أبو طالب خرج النبي - ﷺ - إلى الطائف ماشيًا على قدميه يدعوهم إلى الإِسلام) (٣).
_________________
(١) = أبي إسحاق، سمعت ناجية بن كعب، يقول: شهدت عليًا يقول: وأبو إسحاق هو عمرو ابن عبد الله الهمداني، تابعي ثقة عابد مكثر، صرح بالسماع من شيخه التابعي الثقة ناجية ابن كعب الأسدى. انظر التقريب (٢/ ٢٩٤).
(٢) متراجعة جبانة.
(٣) حديث صحيح. الإسناد رواه البيهقي (٢/ ٣٤٩): حدثنا الحاكم، حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمَّد الدوري، قال: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عقبة المحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: العباس حافظ ثقة. انظر التقريب (١/ ٣٩٨) وعقبة بن خالد المجدر صدوق صاحب حديث، التقريب (٢/ ٢٦) والبقية أئمة.
(٤) حديثٌ حسنٌ بشواهده سيمر معنا.
[ ١ / ١٧٨ ]
و(لما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم أخوة ثلاثة:
عبد ياليل بن عمرو بن عمير. ومسعود بن عمرو بن عمير. وحبيب ابن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله - ﷺ -، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم:
هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسل. وقال الآخر:
أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك. وقال الثالث:
والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك كلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم وهو يئس من خير ثقيف) (١).
قام ولهيب الحزن في كبده .. قام وحاله تتفطر لها القلوب .. جوع وعطش وسير بالليل والنهار .. وأحزان تثيرها جدران مكة وطرقاتها .. تذكره بخديجة وأبي طالب .. ودعوة مطاردة .. وأتباع تتخطفهم أيدي الطغاة .. قام - ﷺ - فالتفت إلى هؤلاء القساة لعل بقية من الإنسانية لا تزال عالقة في قلوبهم .. يرجوهم كتمان أمره حتى لا تشمت به قريش .. وتحمله من الضيم ما لا يطيق. قال لهم:
(إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني -كره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ قومه
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
[ ١ / ١٧٩ ]
عنه فيذئرهم (١) ذلك عليه- فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبه بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة (٢) من عنب، فجلس فيه -وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف- وقد لقي رسول الله - ﷺ - المرأة التي من بني جمح. فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟
فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - قال:
"اللَّهم أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني: إلى بعيد يتهجمني. أم إلى عدو ملكته أمري. إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له عداس. فقالا:
خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله -ﷺ -. ثم قال له:
كل. فلما وضع رسول - ﷺ - فيه يده قال: "بسم الله" ثم أكل. فنظر عداس في وجهه، ثم قال:
_________________
(١) يجعلهم يجترئون عليه.
(٢) الحبلة هي الكرم أو القضيب من الكرم.
[ ١ / ١٨٠ ]
والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال رسول الله - ﷺ -:
ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال عداس:
نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (١). فقال رسول الله - ﷺ -:
من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس:
وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله -ﷺ -:
ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله - ﷺ - يقبل رأسه ويديه وقدميه. فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه:
أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس، قالا له:
ويلك يا عداس، ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟
وقال عداس:
يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قالا له:
ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ثم إن رسول الله - ﷺ - انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف) (٢).
_________________
(١) قرية بالموصل في العراق.
(٢) حديث مرسل. رواه ابن إسحاق فقال: حدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعبي القرظي. ويزيد ثقة والقرظي تابعي ثقة، لكنه لم يذكر من شيخه هنا. لكن الحديث روي مرسلًا أيضًا عن الزهري، وعن عروة بن الزبير -وهو الحديث الذي بعده- ما عدا الدعاء في هذا الحديث، فشاهده عند الطبراني، وقد قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٥) ورجاله ثقات وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، ثم وجدت الحديث عند الطبراني في الدعاء، وعند ابن =
[ ١ / ١٨١ ]
ويروي هذه القصة عروة بن الزبير فيقول:
(لما أفسد الله ﷿ صحيفة مكرهم، خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فعاشوا، وخالطوا الناس، ورسول الله - ﷺ - في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول:
لا أُكْرِهُ منكم أحدًا على شيء من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أُكْرِهْهُ، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء. فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به. أَفَترى رجل يصلحنا وقد أفسد قومه؟! -ذلك لما ادخر الله ﷿ للأنصار من البركة- ومات أبو طالب، وازداد من البلاء على رسول الله - ﷺ - شدة، فعمد إلى ثقيف، يرجو أن يؤوه وينصروه، فوجد ثلاثة منهم، سادة ثقيف وهم أخوة:
عبد ياليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو.
فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء، وما انتهك قومه منه. فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدًا، لئن كنت رسولًا لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك. وقال الآخر:
_________________
(١) = عدي في الكامل وسنده هو: ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن .. وهذا السند ضعيف لأن ابن إسحاق مدلس وقد عنعن وإن كان هشام من أقرانه وشيوخه وقد ثبت لقاؤهما .. ولا يقوى هذا الطريق ما عند ابن إسحاق فقد رواه دون سند -أي روى الدعاء دون سند-.
[ ١ / ١٨٢ ]
أعجز الله أن يرسل غيرك؟!
وأفشوا ذلك في مكة -أي الذين قال لهم- واجتمعوا يستهزئون برسول الله - ﷺ -، وقعدوا له صفين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون، ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان بالدماء عمد إلى حائط من كرومهم، فأتى ظل حبلة من الكرم، فجلس في أصلها مكروبًا موجعًا، تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما -لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله- وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما "عداس" بعنب -هو نصراني من أهل نينوى- فلما أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول الله - ﷺ - "بسم الله" فعجب عداس، فقال له رسول الله - ﷺ -.
من أي أرض أنت يا عداس؟ قال عداس:
أنا من أهل نينوى، فقال النبي - ﷺ -:
من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس:
وما يدريك من يونس بن متى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله - ﷺ - لا يحقر أحدًا يبلغه رسالات الله تعالى. قال عداس: يا رسول الله أخبرني خبر يونس بن متى. فلما أخبره رسول الله - ﷺ - من شأن يونس بن متى ما أوحي إليه من شأنه، خر ساجدًا للرسول - ﷺ -، ثم جعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا. فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبلت قدميه، ولم نرك فعلت هذا بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا،
[ ١ / ١٨٣ ]
يدعى: يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله. فضحكا به وقالا:
لا يفتنك عن نصرانيتك، إنه رجل يخدع. ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى مكة) (١).
ترى كيف ستحمل هذا المكروب المسكين أقدامه وهي لا تزال تنزف حزنًا ودمًا .. كيف سيعود ولا أبا طالب بعد اليوم .. من يضمد جرحه وخديجة تحت الثرى .. من يا ترى يكف أفواه قريش عن الشماتة .. كانت أيامًا لكن همومها أحالتها سنوات .. سألت عائشة ﵂ رسول الله - ﷺ - عن أشد يوم مر به؟ فأشار إلى أيام الطائف وقال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال. فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) (٢).
إنه الهم الذي حمله ومشى به، حتى حنت عليه السحاب .. وأشفقت لمنظره الحجارة وأغصان الشجر .. واستعدت الرواسي الشم للانتقام له: