الناس وقود الحياة .. يكدحون .. يحترقون ليشعلوها .. ولم يكن محمَّد - ﷺ - شابًا خاملًا تتعثر به الحياة .. فيقتات من نسبه .. ويستطعم من شرفه .. لقد كان حياة للحياة .. يحمل فأسه لصخورها .. ويشق طريقه بذراع مفتول .. وجبين مرفوع .. وشباب متجدد .. تعاملت معه قريش كلها .. حتى اقتطع منها لقبًا طغى على كل اسم هو له .. ولم يكن ليحصل على ذلك اللقب لو كان قد رضي بالوقوف على أطلال آبائه وأجداده يُذكِّر من يمر بها ويكتفي .. لقد دخل عليهم وهم مجتمعون حول الكعبة .. فقالوا بصوت واحد: (أتاكم الأمين) (٢). الأمين .. نعم هذا هو اللقب- الاسم .. انتزعه من قلوبهم قبل أن يبذلوه له بألسنتهم .. لقد جربوه وخبروه .. والأمانة لا توهب إلا بعد التجارب .. وليس لدى محمَّد الشاب ما يبذله من مال أو سلطة ليرغمهم على قول ذلك .. لا سيما وهو أصغرهم سنًا .. بل وربما كان أفقرهم وأيتمهم.
لقد ألجأه الفقر إلى أشقى المهن وأبسطها .. لقد كان يسير طوال نهاره
_________________
(١) إسناد قوي، رواه الترمذيُّ. الخرائطى (سيرة ابن كثير ١/ ٢٢٦) وأبو نعيم (١٢٩): حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: وأبو بكر ابن أبي موسى الأشعري؛ تابعي ثقة، اسمه أبو بكر بن أبي موسى الأشعري. (التقريب ٢) ويونس ابن أبي إسحاق السبيعي، حسن الحديث، انظر تهذيب التهذيب (١١/ ٤٣٣) أما قراد، فاسمه عبد الرحمن بن غزان الضبي، فهو أحد الثقات. التهذيب (٦/ ٢٤٧).
(٢) حديث صحيح سيمر معنا تحت عنوان (يبني الكعبة ويضع الحجر).
[ ١ / ٤٢ ]
خلف الغنم (يرعاها على قراريط لأهل مكة) (١) مهنة شاقة تمارس بأجر بخس .. لكن أول شرط لممارستها (الأمانة) .. مهنة البسطاء وقادة الأرض والعظماء .. وهل هناك أعظم على وجه الأرض من نبي .. ومع ذلك (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم) (٢) ربما لأن صورة القطيع من الماشية تشبه سير سواد الشعوب في العالم وهم يبحثون عن لقمة العيش .. ومهمة الراعي تتطلب البحث عن أوفر المراعي عشبًا وكلأً وإن لم يكن في هذه المراعي مستراحًا للراعى ورفاهية له .. كما تتطلب تلك المهنة حماية القطيع من أعدائه ومفترسيه .. إن الرعي بقدر ما يولد من القسوة والخشونة في حياة الراعي .. يهب له قلبًا حنونًا عطوفًا على رعيته .. والأنبياء قادة تتوفر فيهم هذه الصفات .. فربما كان لهذه المهنة تأثيرها في ذلك .. ربما.
وبعيدًا عن مهنة الرعي القاسية .. حيث العواطف والغرائز والأحلام .. ماذا عن: