كان الأمين يخالط الشباب ويعيش بينهم .. ويسمع بمغامراتهم في ارتياد كهوف البغاء .. والقصف في الخمارات .. لكنه كان يرتفع عما يسيء إلى اسمه ورجولته .. ولو كان ذلك مما لا تحرمه أعراف قريش .. والأمر عنده لا يتعدى دائرة حديث النفس والأماني لا أكثر .. إنه يتحدث عن تلك الأمور التي خطرت عندما كان يمسك بعصاه يهش بها على غنمه:
(ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء، إلا
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري بلفظ: (نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
(٢) حديث صحيح. البخاري.
[ ١ / ٤٣ ]
ليلتين، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة -ونحن في رعاية غنم أهلنا- فقلت لصاحبي:
أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى. فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير. فقلت:
ما هذا؟ فقيل:
تزوج فلان فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال:
ما فعلت؟ فقلت:
ما فعلت شيئًا. ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى:
أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة. ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت، فقيل:
فلان نكح فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال:
ما فعلت؟ قلت:
لا شيء. ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت، ولا عدت بعدها لشيء حتى أكرمني الله بنبوته) (١).
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. رواه البيهقي (١/ ٣١٥) وابن حبان (زوائده ٥١٥) أبو نعيم (١٨٦)، من طريق ابن إسحاق، حدثي محمَّد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده علي، وقد قال ابن حجر ﵀ في هذا الإسناد: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات. =
[ ١ / ٤٤ ]
إن أناسًا تعلوهم الغرائز .. وتلوي أعناقهم الشهوات .. فيجهدون في الحصول عليها دون أن يوقفهم نداء ناصح .. أو زجر زاجر .. يبذلون الأموال كالخطوات .. حتى يظفروا بسويعات حمراء وخيمة العواقب .. فهل سيوقفهم صوت دف أو مزمار .. لكن محمدًا أوقفته حفلة عرس .. وهدهدته حتى نام .. لأنه مهذب أتعبته هموم العمل والتزام الوظيفة .. تشققت قدماه من صخور الجبال وأدمتها أشواك الصحاري .. فأمسى مكدود البال منهك القوى .. ييحث عن ساعة يتنفس فيها بهجة ومرحًا .. فلاحَ له من حديث رفاقه الشباب ما قد يهب له ذلك .. فلما مر بذلك الزفاف وجد فيه من اللهو البريء ما أزاح ركام الهم عن قلبه ليبقى مشرعًا للسرور والابتهاج .. ولم تكن المرأة بعد ذلك بعيدة عن خياله وأحاسيسه .. وكان -كأي شاب سوي- بحاجة إلى فتاة تملأ بيته وحياته بالحب والعفاف وتمسح عن جبينه همومًا تقذف بها يوميات مكة المتعبة .. لكنه لم يجد فتاة بل وجد: