لم تترك قريش محمدًا يبوح بما كان يضمره في نفسه ونفوس أصحابه دون أن تطرح عليه أسئلة ملحة .. عن طبيعة هذا الدين .. عن هذا الإله
_________________
(١) إسناده قوى. رواه الإمام (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٢٣) وعد من طريق: عفان، حدثنا أبو عوانة -وهما ثقتان، عن عثمان بن المغير، وهو ثقة، عن أبي صادق- وهو تابعي ثقة، عن ربيعة بن ناجذ، وهو ثقة أيضًا، وقد بينت في (موسوعة السيرة) سبب جرح الذهبي له، وبينت سبب العلة الحقيقي للرواية التي قصدها الذهبي (٢٤).
[ ١ / ٨٥ ]
الذي يأمر بإفراده بالعبادة .. هذا الإله الذي يأمر بنسيان آلهة الآباء والأجداد وسحقها.
فقال لهمﷺ- وحيًا ترتكز عليه كل الحقائق .. وتنطلق منه أنوار تنير سراديب هذا الكون وأسراره .. فيخشع الكون كله وهو يستمع لمحمد-صلي الله عليه وسلم- يتلو حقيقة طالما أضاعها الإنسان فتاه في تلك السراديب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١).
نداءان منهﷺ- في اجتماعين مع أهل مكة .. ومع أهله .. وضعت أرواح بعض السابقين في أكفهم .. دروعًا يحمون بها رسولهم -ﷺ- .. فلقد هانت تلك الأرواح في سبيل الله .. ولئن كانت الجنة هي المصير فلتذهب الدنيا غير مأسوف عليها .. ستة عمالقة جاهروا بإسلامهم .. ولم يأبهوا بما قد يلاقون من عنت: (أبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد) (٢).
ولئن لم تسعفنا الروايات في ذكر بقية لهم فلقد أسعفنا ذلك الاجتماع السابق بفتى صغير السنن هو (علي بن أبي طالب) فلقد وضع يده بيد رسول اللهﷺ- أمام أهله .. وكفى بتلك مجاهرة.
بدأ هؤلاء الأفذاذ يدعون لدين الله جهرة .. فأسلم بإسلامهم خلق كثير. مما أقض مضاجع عباد الأصنام .. فاتجهوا نحو رسول اللهﷺ-
_________________
(١) سورة الصمد.
(٢) حديثٌ حسنٌ رواه البيهقي (٢/ ١٧٠) والحاكم (٣/ ٢٨٤) وأحمدُ (الفتح الرباني ٢٠/ ٢١٤) من طريق زائدة، عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود وقال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبى -ﷺ-، وأبو بكر .. وفي سنده ضعف من أجل زائدة أبى الرقاد، فقد اختلف النقاد في الحكم عليه، لكن له شاهد يقويه ذكره ابن كثير وهو من طريق شعبة عن منصور، عن مجاهد مرسلًا. انظر سيرة ابن كثير (١/ ٤٩٤).
[ ١ / ٨٦ ]
يحملون في أيديهم ألوانًا من الأذى والعذاب لعله يتراجع .. ويتراجع أصحابه معه.