يا له من طلب غريب .. لا يراد منه سوى التعجيز ليجدوا لأنفسهم عذرًا للتكذيب .. ومع ذلك فقد تحققت المعجزة .. وأراها الله ورسوله - ﷺ - لهؤلاء فهل غيَّرَ ذلك من موقفهم؟
يقول أنس بن مالك ﵁:
(سأل أهل مكة النبي - ﷺ - آية، فانشق القمر بمكة مرتين) (٢).
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه إسحاق بن راهوية، ومن طريقه رواه: البيهقي (٢/ ١٩٨) والحاكم (٢/ ٥٠٦) عن: عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة عن ابن عباس، وهؤلاء الرواة ثقات أئمة، معمر ثقة ثبت حافظ. التقريب (٢/ ٢٦٦) وأيوب بن أبي تميمة إمام ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، انظر التقريب (١/ ٨٩).
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ١٥٢ ]
(فقال كفار قريش أهل مكة:
هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم، فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به.
فسئل السفار - وقدموا من كل جهة. فقالوا: رأينا) (١). وقالوا هم أيضًا: (محمَّد لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) (٢). وكان الناس ينظرون إليه من مواقع مختلفة، فهناك من رأى (الجبل من بين فرجتي القمر) (٣)، وهناك من رأى (فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه) (٤). وهناك من رأى (فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل) (٥).
وسبب هذا الاختلاف في الوصف .. هو الاختلاف في الأماكن التي يقفون فيها أثناء الحدث .. فهذا أمام جبل .. وهذا خلف جبل .. وذاك هناك و.. ولا شك أن للمسافرين الذين قدموا وصفًا آخر .. لكنهم أحمعوا على أن الشق قد حدث .. وخسرت قريش أمام هذه المعجزة .. لتلجأ للاتهام مرة أخرى فتقول كما قال الوليد عن القرآن: سحر
_________________
(١) رواه أبو داود الطيالسى (٢/ ١٢٣) حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله: .. ورواه البيهقي واللفظ له من طريق أبى داود وهشيم. ولفظ هشيم هو هذا، وهذا رجال إسناده ثقات، أبو الضحى تابعى ثقة اسمه مسلم بن صبيح، انظر التهذيب (٢٠/ ١٣٢) والمغيرة هو ابن مقسم ثقة متقن لكنه ربما دلس، لكنه توبع تابعه إمام مثله تمامًا هو الأعمش عند أبى نعيم. انظر سيرة ابن كثير (٢/ ١١٩).
(٢) متفق عليه.
(٣) انظر تخريج الحديث الأول فهو من طريقه.
(٤) رواه الإمام أحمد وابن جرير: عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود، وهو حسن بالشواهد.
(٥) رواه البخاري ومسلم.
[ ١ / ١٥٣ ]
مستمر .. سحر ذاهب ومضمحل. وفي ذلك أنزل الله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ..﴾ (١). وبعد هذا التكذيب وهذه المكابرة العارية المخيبة للآمال لم يترك الله نبيه - ﷺ - دون: