يقول عبد الله بن مسعود:
(أول من ظهر إسلامه سبعة: رسول الله، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله -ﷺ - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم
_________________
(١) = أسماء، أبو الزبير ثقة لكنه مدلس وهو هنا قد عنعن ولم يصرح بسماعه من أسماء، فيكون في السند مقال، لكن يقويه ما بعده.
(٢) رواه البيهقي (٢/ ١٩٦): علي بن مسهر (ثقة)، عن سعيد بن كثير (ثقة) عن أبيه كثير ابن عبيد التيمي عن أسماء، وقد سكت عنه ابن حبان في ثقاته، فحديثه جيد في المتابعات وهذا منها، فالحديث حسن بما قبله.
[ ١ / ٨٨ ]
المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد .. أحد) (١).
وعندما سئل عبد الله بن عباس ذات يوم:
(أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله -ﷺ- من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟) أجاب ﵁ فقال: (نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهان من دون الله. فيقول: نعم. افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم) (٢).
لقد افترش العذاب هذه الأجساد الطاهرة .. وطاب له المقام فغرز أنيابه بلا رحمة .. بلا شفقة .. يشرحها ويشرب من دمها .. وقهقهات السكارى والطواغيت حول هذه الأجساد المطروحة لا تجد من يخرسها .. حتى رسول الله -ﷺ- لا يستطع أن يفعل شيئًا .. وكيف يفعل وهو لا يستطع حماية نفسه من هؤلاء الأوغاد .. لقد اضطر الصحابة إلى اتخاذ إجراء يحمون به رسولهم .. فكانوا يتناوبون في حراسته ليلًا ونهارًا .. فالنهار لا يخلو من السفهاء والمتهورين .. والليل مثقل بخناجر الغدر يسددها المتلثمون.
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ مر معنا تخريجه.
(٢) حديثٌ حسنٌ سنده جيد، فقد رواه ابن إسحاق فقال: حدثني حكيم بن جبير، عن سعيد ابن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: ، حكيم بن جبير فيه كلام حول تشيعه، وقد قال أبو زرعة: محله الصدق ثم تكلم على مذهب وانتقده، وهذا الحديث ليس في المذهب، ثم إن ما قبله يشهد له فهو حسن لذاته أو لغيره.
[ ١ / ٨٩ ]
ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار .. أسرة ضعيفة فقيرة لكنها حرة .. ولما رفع ياسر الشيخ الكبير حاجبيه المثقلين بالشيب والألم لمح رسول الله -ﷺفرأى الحزن والدمع في وجهه فهانت نفسه .. وهان العذاب أمام حزن رسول الله -ﷺ- وأحب أن يواسي رسول الله -ﷺ- قبل أن يواسيه الرسول فقال: (يا رسول الله الدهر هكذا. فقال النبيﷺ-: اصبر. ثم قال: اللَّهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت) (١).
(أبشروا آل عمار، وآل ياسر فإن موعدكم الجنة) (٢).
(اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة) (٣).
كأن ذلك الشيخ الساخر بالعذاب .. أراد أن يطمئن رسول الله -ﷺ- أنه لا يخشى السياط ولا يخشى القيود .. إنه يتزين بها للجنة ويرجو أن يكون أول شهيد. لكن هناك من سبقه.