هذا عمرو بن عبسة السلمي .. يمتطى راحلته نحو مكة .. فإذا ما احتضنته شعابها وجبالها .. جد في بحثه عن محمَّد -ﷺ- وفي ذلك يقول: (أتيت رسول الله -ﷺفي أول ما بعث، وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال -ﷺ-: أنا نبي. فقلت: وما النبي؟ قال -ﷺ-: رسول الله. قلت: الله أرسلك؟ قال رسول الله -ﷺ -: نعم. قلت: بِمَ أرسلك؟ قال -ﷺ-: بأن تعبد الله وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام. قلت: نِعْمَ ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال -ﷺ-: حر وعبد -يعني أبا بكر وبلال- (١). فكان عمرو بن عبسة يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام) (٢).
يا الله .. رجل غريب لا يضمر إلا خيرًا .. جاء يبحث عن الحق .. فلا يرجع إلى ديار قومه إلا بما جاء يبحث عنه .. ويريد أن يستزيد .. أن يعرف أسماء هؤلاء الأتباع .. فلا يعطي أي اسم رغم أنه لا يخيف فهو ليس من أهل مكة .. لكن الرسول -ﷺ- يقول له: (عبد وحر) فقط عبد
_________________
(١) القائل عمرو بن عبسة وليس رسول الله -ﷺ-.
(٢) حديث صحيح. رواه مسلم.
[ ١ / ٨٠ ]
وحر .. لم يقل: بلال لم يقل: أبا بكر. الذي قالها هو عمرو بن عبسة .. عرف ذلك فيما بعد .. إن كلمة عبد وحر لباس يتسع ويمتد حتى ليشمل كل أحرار مكة وعبيدها .. وقفل عمرو بن عبسة راجعًا بدين الله .. لم يعده -ﷺ- بانتصار دنيوي .. لم يعده بمنصب .. وعده فقط بالجنة إن سار على الحق .. ولم يمكنه من شيء من أمور الدنيا حتى ولو كانت أسماء أصحابه التي قد لا تعني له شيئًا .. وعمرو بن عبسة لم يجد رسول الله قبل ذلك بسهولة .. لقد وصفه بأنه كان مستخفيًا .. كان متسترًا لا يظهر نفسه .. ولا يكشف أتباعه .. إن قريشًا شرسة .. كالموج، لكن محمدًا -ﷺ- كان ربانًا ماهرًا.