كان هذا النداء لعشيرته -ﷺ- .. يعلن فيها رسالة ربه بأعلى صوته .. ويعلن بداية العزلة الشعورية بينه وبينهم إذا لم يتبعوه على هدى الله .. ثم توجه بعد ذلك النداء إلى أقرب الناس إليه .. لقد (جمعﷺ- أو دعا بني عبد المطلب، فيهم رهط (١) كلهم يأكل الجذعة (٢)، ويشرب الفرق (٣)، فصنع لهم مدًا (٤) من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو، كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر (٥) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب فقال -ﷺ-:
يا بني عبد المطلب، إني بعثت لكم خاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون: أخي وصاحبي، فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه (٦) -وكنت أصغر القوم- فقال:
_________________
(١) رجال أقل من عشرة.
(٢) الجذعة ولد الشاة. له سنتان.
(٣) الفرق مكيال معروف بالمدينة يساوي (١٦) رطلًا.
(٤) المد مكيال يساوي (١.٥) رطل أو رطلين.
(٥) الغمر: القدح الصغير.
(٦) المتكلم هو علي بن أبي طالب ﵁ فهو الذي روى لنا هذا الحديث.
[ ١ / ٨٤ ]
اجلس -ثلاث مرات- كل ذلك أقوم إليه فيقول لي:
اجلس. حتى كان في الثالثة، ضرب بيده على يدي) (١) معلنًا تفوق هذا الفتى على كافة رجال وشيوخ أسرة النبي -ﷺ- .. ومسارعته للحق وهو في زهرة الشباب .. في الوقت الذي تراجع فيه أعمامه وكبار السن من أسرته .. تخلفوا وترددوا .. وعجيب أمر ترددهم وتخلفهم فالمعجزة أمامهم تغمرهم .. تلجمهم إلجامًا .. ها هو الطعام لا ينقص .. وشراب الفرد يكفي العشرات .. وقبل ذلك صانع الطعام .. إنه محمدﷺ- الذي لم يجربوا عليه كذبًا ولا غشًا .. فكيف وقد أتى ببرهان صدقه المعجز: مدٌ من الطعام لا يشبع فردًا واحدًا .. يلتف حوله مجموعة من الرجال .. الفرد منهم يتربع أمام الجذع المطبوخ .. فلا ينهض إلا وقد التهمه كله .. ما الذي حدث حتى تقوم كل هذه المجموعة من فحول الرجال .. وقد شبعت من طعام قليل .. بل إنها لا تنقص منه شيئًا. تلك معجزة لا شك .. برهان على صدق ما سيقوله -ﷺ- لأسرته .. ومع ذلك لا ينهض منهم مساند إلا فتى .. هو أصغر القوم .. إنهم ليل .. وعلي كالصباح نضارة.
إذًا فقد أعلن -ﷺ- حربه على الشرك لا على قريش وأعلن أن: