أطال -ﷺ- التأمل بين صحابته .. يفتش عن أحد .. لكنه لم يجده .. لقد وجد أتباعًا مضطهدين .. مغلوبًا على أمرهم .. يتحملون كثيرًا .. لكن إلى متى .. إلى متى وهم يتدسسون .. يخفي بعضهم بعضًا كأنما ارتكبوا جرمًا .. كان يفتش عن شخص جبار تهابه قريش .. فتتراجع أمامه قليلًا .. لعل فسحة من الحياة المشروعة تتسع له ولأصحابه .. فيستمتعون بها كما يستمتع غيرهم .. ويعبدون الله وهم آمنون .. لكن الطغاة لا يرحمون .. إن البهائم والطيور تطوف في مكة آمنة .. أما محمد -ﷺ- وصحبه المساكين .. ففي الشعاب هائمون .. يأتي إليه خباب بن الأرت يحمل جلدًا مسلوخًا وجروحًا نازفة وهمًا كالجبال .. يأتي إليه خباب المسكين وقد لقي أشد العذاب من المشركين. فيقول: (يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا، فقعد -ﷺ- محمر وجهه، فقال: إن من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد، ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ﷿، والذئب على غنمه) (٢).
ليس هناك سوى الصبر يا خباب .. هذه هي حياة الأنبياء وأصحابهم
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٨٦٢).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٨٥٢).
[ ١ / ٩٨ ]
وأتباعهم .. إن احمرار وجهه -ﷺ- لم يكن لعدم مشروعية الدعاء .. بل كان لهبًا يذهب ما قد يعلو في نفوس أصحابه من الملل والضيق .. إن هذا الاحمرار يقول: إن كل ما يقدمه الداعية في سبيل الله من تضحية .. من مال .. من جهد .. رخيص .. رخيص في سبيل الله .. إنها الجنة يا خباب .. فلا عجب أن مشط الأنبياء السابقون وأتباعهم بأمشاط الحديد .. ونشروا بالمناشير .. فقد كانت الجنة في قلوبهم .. أما الدعاء فمشروع في كل لحظة .. فالدعاء في الإِسلام (هو العبادة) (١) .. حتى الأماني التي تجول في الخواطر تسيل عند الله في مجرى الدعاء الجميل المحبوب .. حتى الأماني الحلوة حَوَّلَها الإسلام إلى عبادة .. يقول -ﷺ-: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) (٢) وسأل محمَّد -ﷺ- ربه .. دعاه وتضرع إليه أن يرزقهم ما يبحثون عنه .. رجلًا يعز الله به الإسلام .. وكانت أمنيته -ﷺ- تحوم حول أقسى رجلين وأشرسهما في مكة كلها على المؤمنين .. توجه -ﷺ- إلى ربه ضارعًا وقال: (اللَّهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: أبو جهل بن هشام، أو عمر بن الخطاب) (٣) فقد بخلت مكة وشحت .. وضاقت بأصحابه -ﷺ- فصارت من ضيقها تحصي أنفاسهم وخطاهم .. ولم يكن هناك متسع للحياة فيها .. حتى بيت الله الحرام أصبح غير آمن ولا حرام .. ألم تر إلى أبي جهل يقول: (لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه) (٤).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٥٠).
(٢) حديث صحيح، انظر صحيح الجامع الصغير (١/ ١٧٨).
(٣) إسناده حسن رواه البيهقي (٢/ ٢١٥) وابن سعد (٣/ ٢٦٧) وأحمدُ (الفتح ٢٠/ ٢٣٠) من طريق أبى عامر: عبد الملك بن عمرو القيس، وهو ثقة (التقريب١/ ٥٢١) أخبرنا خارجة ابن عبد الله بن ثابت وهو حسن الحديث (التهذيب ٣/ ٧٦) عن نافع عن ابن عمر قال. قال: رسول الله -ﷺ-.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري.
[ ١ / ٩٩ ]
(واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب) (١).
حبيب اللهﷺ- يهدده هذا الجعظ بأن يطأ على عنقه الطاهر .. فماذا ينتظر البقية سوى الموت. أليس هناك سوى مكة .. وطواغيت مكة؟ نعم إن مكة أطهر بقعة على وجه الأرض وأعظمها .. لكن هل البقاء فيها من أركان الإسلام .. هل يتحتم على المسلمين أن يربطوا مصيرهم بمكة وقد ضاقت بهم .. وحاصرتهم جبالها .. وكشرت وديانها وشعابها .. هل يتحتم على المؤمنين أن يبقوا فيها وقد نثر الشوك في وجوههم وأقدامهم .. وكعبة ربهم تئن تحت أطنان الأصنام وترزح تحت طقوس الوثنية؟.
رسول الله -ﷺ- حمل الإجابة بيضاء واضحة لا غموض فيها .. الإسلام لا يرتبط بأرض ولا وطن .. لا يرتبط بشخص ولا حتى أمة .. الإسلام عظيم فسيح .. فسيح.
إنه من السعة بحيث تستطع أن تضع هذا الكون كله في زاوية من زواياه .. ومكة جزء من هذا الكون .. الإِسلام لا يرتبط بمكة .. ولا بفلسطين ولا ببقية أراضي الأنبياء مهما كانت .. فلا حرج على هؤلاء الضعفاء من المغادرة والهجرة من أكرم بقاع الأرض إذا ضاقت وضاق أهلها لكن إلى أين؟