فكانت أمه آمنة هي أول من أرضع ابنها اليتيم .. تشاركها حضانته امرأة تدعى: أم أيمن، واسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو .. وهناك امرأة ثالثة شاركت في رضاعه وهي أمَةٌ لعمه أبي لهب، واسمها: ثويبة. وقد (أرضعت ثويبة رسول الله - ﷺ -، وأرضعت معه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي) (١).
هذا في بداية الأمر .. وبعد فترة من الزمن غشيت مكة مجموعة من نساء البادية يلتمسن الرزق عن طريق إرضاع أطفال قريش .. وكانت أقدامهن تتزاحم على أبواب من يبسط يديه بالعطاء الأكثر .. وربما كان باب عبد المطلب من الأبواب السخية التي تملأ الأكف بالدراهم .. وربما كان فقيرًا لا يستطيع منافسة غيره في حرية الانتقاء والاختيار لحفيده من بين تلك المرضعات .. ربما لم يكن في بيت آمنة ما يغري المرضعات على التوجه نحوه .. فيجتمع لهذا الصغير يتم مرير وفقر موجع (٢).
_________________
(١) متفق عليه بغير هذا اللفظ.
(٢) الذي يجعلني لا أجزم بفقر محمَّد - ﷺ - أو غناه هو تضارب الروايات بالإضافة إلى ضعف إسنادها، والضعف سبب الرد فكيف بالتضارب، هناك رواية تقول: إن حليمة لم تجد طفلًا سوى محمَّد - ﷺ - ولو عدنا إلى بعض روايات الفيل الضعيفة لوجدنا عبد المطب غنيًا يملك قطيعًا من الإبل، كما مر معنا رواية صحيحة تقول: إن عبد المطلب ذبح مائة من الإبل فداءً لابنه عبد الله بعد أن وقع عليه النذر، فهل كانت تلك الإبل هي كل ما يملكه؟!
[ ١ / ٢٩ ]
وأخيرًا استقر محمَّد اليتيم في أحضان (حليمة السعدية) .. شغفها حبًا وحملته على راحلتها ليسترضع في مضارب (بني سعد بن بكر) (١) قوم حليمة وأهلها .. وفي تلك المضارب بدأ محمَّد الصغير بالحبو .. ثم الوقوف على قدميه الصغيرتين .. وبدأ يلثغ ببعض الحروف والكلمات .. ويتعثر في بعضها بطريقة محبوبة .. ثم صار يمشي ويتحدث ويرعى الغنم .. كان طفلًا طاهرًا كأنفاس الصباح .. كحبات المطر .. اعتاد الخروج مع أخيه يسوقان الغنمات ويمرحان ويلعبان .. وعندما يقرصهما الجوع يُخرجان ما أعدته أمهما حليمة من زاد ليأكلانه فيسكن ما بهما من جوع .. كانت أيامًا تشع بالبراءة والجمال والبهجة .. لم يعكر صفوها سوى صراخ أخيه الصغير ذات صباح قائلًا: