ليالي مكة واحدة تكاد لا تتغير .. فيها يهدأ الجميع .. الصحابة متعبون من الأذى والمطاردة .. والمشركون متعبون أيضًا .. فقد أهدروا
_________________
(١) سورة الإسراء: الآية ١.
[ ١ / ١٨٦ ]
طاقاتهم طوال النهار في التعذيب والمطاردة لرسول الله - ﷺ - وأصحابه الذين يجعلون ليلهم مناجاة لخالقهم وتهجدًا وصفاء .. وفي ليلة غريبة .. في ليلة لا كالليالي .. جاء جبريل ﵊ إلى رسول الله - ﷺ - على غير عادته.
يقول - ﷺ -: (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه) (١) شق للسقف .. وشق للصدر! لكن أين تم ذلك الشق الآخر؟ لقد كان عند بئر زمزم. لقد كان - ﷺ - نائمًا في بيته ثم أُخِذَ للمسجد الحرام .. وكان في المسجد نيام .. أما رسول الله - ﷺ - .. فكان بين النائم واليقظان .. أُخِذَ أيضًا من بين الناس نحو بئر زمزم. يقول - ﷺ -:
(بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان -وذكر يعني رجلًا بين رجلين- فأُتيتُ بطست (٢) من ذهب مليء حكمة وإيمانًا، فشق من النحر إلى مراق (٣) البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وأيمانًا) (٤).
هذا هو الشق الثالث له - ﷺ - .. استعدادًا لرحلة عجيبة مدهشة معجزة .. لكن كم من الزمن ستستغرقه هذه الرحلة. ومن سيحمله فيها؟