نزل قول الله ﷾: ﴿عبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾
عتاب شديد أنزله الله سبحانه .. ووجهه إلى نبيه .. ولو لم يكن محمد ﷺ نبيًا لأخفى ذلك العتاب ومحاه .. ولم يطلع عليه أحدًا .. لكنها النبوة .. لكنه الأمين .. أما قصة ذلك العتاب فهي أن مسلمًا مسكينًا ضرير البصر اسمه: عبد الله بن أم مكتوم (أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -وعند رسول الله ﷺ - رجل من عظماء المشركين-، فجعل النبي ﷺ يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأسًا، فيقول: لا) (١) فأنزل الله آياته تصحح الخطأ وتجبر الكسر .. ترى
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه ابن جرير (٣٠/ ٣٢)، والواحدي (٢٩٧) والحاكم والترمذيُّ وأبو يعلى، من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان الأموي، عن أبيه عن هشام عن أبيه عروة عن عائشة، وسعيد ووالده ثقتان، انظر التهذيب (١١/ ٢١٣) و(٤/ ٩٨) وهشام ووالده ثقتان معروفان، فالسند صحيح.
[ ١ / ١٤٩ ]
كم يساوي ذلك الأعمى المسكن عند الله .. لقد استحق نزول آيات الجبار تعاتب نبيه فيه .. إنه في ميزان الإِسلام: رجل مسلم .. اختار الله ورفض الأوثان .. ولن يفرق الإِسلام يومًا بين مسكين وثري .. فالجميع بنيان متراص وطاقات متناغمة .. تسير بالإنسانية نحو جمال الحياة وصفائها .. وكما أن لهؤلاء المشركين حق الدعوة والتبشير .. فإن لهذا المسكين ولكل المساكين حقوقًا .. لقد أدب الله نبيه ﷺ فأحسن تأديبه .. فهو يذرع الأرض امتثالًا ويقول: (اللَّهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكن) (١). إنه يقول:
(آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد) (٢)، ويقول ﷺ: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة، والساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله (٣)، (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) (٤)، يعني متجاورين فأين سيكون جار النبي ﷺ إن لم يكن في الفردوس الأعلى منها .. وذلك لا يعني إغفال الأغنياء والسادة المطاعين .. فإن إسلامهم نصر عظيم .. والحياة تقوم على تكاتف الفقير مع الغني .. لكن في أحوال السادة نزوع إلى الاحتفاظ بما حولهم .. فالجديد وإن كان صوابًا يزعج بعضهم .. يخشون أن يطمسهم .. ويسلب ما بأيديهم .. ويغير مواقعهم على الأرض .. فهم على بابه مترددون .. أولئك إرادتهم كالأوراق تنتظر الرياح .. أحد هؤلاء هو:
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (١/ ٣٩٨).
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه إسحاق بن راهويه، ومن طريقه رواه: البيهقي (٢/ ١٩٨) والحاكم (٢/ ٥٠٦) عن: عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة عن ابن عباس، وهؤلاء الرواة ثقات أئمة معمر ثقة ثبت حافظ. التقريب (٢/ ٢٦٦) وأيوب بن أبي تميمة إمام ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، انظر التقريب (١/ ٨٩).
(٣) أحاديث صحيحة. انظر صحيح الجامع الصغير (١/ ١١) (٢/ ٢٣).
(٤) أحاديث صحيحة. انظر صحيح الجامع الصغير (١/ ١١) (٢/ ٢٣).
[ ١ / ١٥٠ ]