عمر بن الخطاب .. الرجل الحديدي أسلم .. تلك القوة التي كانت ترزح فوق أنفاس المستضعفين انزاحت .. فهل ستستحيل بين أيديهم سلاحًا يشقون به طريقهم وسط غابة الخناجر والسيوف وأغصان من المشانق والقيود .. أم أن عمر سينضم إلى قافلة المستضعفن الذين لا يملكون حولًا ولا طولًا ..؟ كل تلك التساؤلات .. أجاب عنها عمر .. فهو لم ينتظر أن يسأله أحد كيف أصبحت.
لم ينتظر عمر أن تزحف الأخبار إلى بيوت مكة بخبر إسلامه .. أن يقول إنه تخلص من شركه كما تتخلص الأشجار من أوراق الخريف الصفراء .. على الطرقات وفي البيوت ويحملها الهواء في أجواء مكة .. إنه
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري.
[ ١ / ١١٧ ]
يسأل من حوله فيقول: (أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه، يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وطلح (١) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا. فبينا هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة (٢) وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر. فقال: فمه؟ رجل اختار لنفسه فماذا تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هذا؟ خلوا عن الرجل -يقول ابن عمر- فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه، فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك. قال: ذاك بني: العاص بن وائل السهمي) (٣).
_________________
(١) تعب.
(٢) ثوب من قطن أو كتان كان يصنع باليمن.
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ٢/ ٣٨) حيث قال: حدثني نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ قال: وهذا الإسناد صحيح، فيه تابعى معروف هو: نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة ثبت فقيه مشهور، وابن إسحاق صرح بالسماع منه.
[ ١ / ١١٨ ]
يقول ابن عمر: (فعجبت من عزه) (١).
ولم يكن عز هذا الرجل بأعظم من إجابته المفحمة لفلول الكفر .. إنه يرفض مبدأ قريش في تكميم الأفواه وتقييد الحريات .. فالرجال أحرار في اعتناق ما يرونه .. وعمر حر في اعتناق ما رآه صوابًا وحقيقة .. فلماذا التبرم يا قريش؟ صمتت قريش لأنها تفتقر إلى أسلحة العقل والإقناع .. لا تملك شيئًا يبرر أصنامها وطقوسها .. إنها تملك صراخًا وضجيجًا تزاحم به أجواء الحوار الهادئة .. فإذا ما ماجت الساحة بالفوضى والغبار والضجيج، مَرَّرَت ما تريد وفرضت ما تشتهي .. وأبقت الدعاة في جو من الخوف والرعب فربما يتراجعون عن رسالتهم التي تخطف القلوب والعقول بهدوءٍ من صفوف قريش .. لكن رسول الله ﷺ استمر في هدوئه ودعوته .. يزداد سكينة كلما ازدادوا شراسة .. ويبشر كلما عسروا وشددوا .. ويبتسم كلما كشروا عن أنياب دامية .. ويلاطف الناس جميعًا بأسلوب ساحر آسر .. كله حب وشفقة .. كله ود وجمال .. كأنه خرير ماء .. كأنه ساحة من الزهور فسيحة .. هذا الأسلوب جعل معسكر الكفر يفقد أعصابه وأفراده .. فبالأمس كانت قريش تفقد أفرادًا ربما لم يكن لهم تأثير .. أما اليوم فهي تفقد أقوياء مفتولين كالحديد .. ها هو حمزة ينسحب منهم .. ويتبعه عمر بن الخطاب .. وها هم الضعفاء يقتربون من الكعبة .. يطوفون بها .. بل يصلون عندها .. وها هو أحدهم .. راعي الغنم الفقير .. يقول: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢).
فقد وجد بعض المسلمين ساحة آمنة يركعون فيها ويسجدون قرب الكعبة.
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري في (المناقب).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري.
[ ١ / ١١٩ ]
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (والله ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر) (١).
يا لها من دعوة نبي .. اليوم عمر بن الخطاب صار سيفًا لا يفل .. ولا يحول بينه وبن وجوه الطغاة حائل .. فأصبح لأقدام المستضعفين مكان في بيت الله الحرام .. وجوار الكعبة .. يتجمهرون حول نبيهم ﷺ عند الكعبة .. ويسمع المهاجرون إلى الحبشة بتلك الأحداث فيركب بعضهم الأمواج والبهجة عائدًا إلى رسول الله ﷺ ..
وفي يوم من تلك الأيام التي يلتف بها الصحابة حول رسولهم ﷺ .. وقد زاحمهم المشركون أيضًا تنغيصًا ونكدًا .. في مجلس الأخلاط هذا .. كان ﷺ يتغنى بآيات من سورة النجم: (أَفَرَأَيْتَ (٢) الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري.
(٢) بدأت الآيات من هنا لأن الآيات التي قبلها تتحدث عن الإسراء والمعراج، فكأنها هناك.
(٣) سورة النجم.
[ ١ / ١٢٠ ]
وبعد أن قرأ ﷺ هذه الآيات سجد (وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس) (١).
(غير شيخ أخذ كفًا من حصىً أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا) (٢).
سجد الكفار المعاندون وسجد المؤمنون .. أخذتهم هذه الآيات فساحت بهم في رحلة بدأت من الآخرة .. حيث القبور الثائرة البعثرة .. حيث الأموات يشقون أكوام التراب والغبار .. ينتفضون يخرجون يبحثون عن الداعي والمنادي .. وتنتهي بهم الرحلة هناك بين الخرائب الصامتة .. خرائب عاد وثمود وقوم لوط حيث الجثث منثورة متورمة من الماء .. جثث قوم نوح التى طوح بها السيل في كل مكان .. وأثناء هذه الرحلة المخيفة يدخل المسافرون عالمًا مدهشًا وعجيبًا يقال له الإنسان .. بدايته حقيرة لكنه يتمدد حتى يصبح عوالم تثير الدهشة والحيرة .. تحني الرقاب .. وتخضع القلوب والجباه لقدرة الله واعترافًا بعظمته .. تأثر السامعون المسلمون .. والمشركون أيضًا فسجدوا لله وحده لا لشىء آخر (٣).
حتى ذلك الشيخ الحجري لم يستطع كبت شعوره نحو هذه الآيات وتأثره بها .. فرفع كف الحصى ووضعه على جبهته .. لحظات من الخضوع والخشوع كانت تطوف بالكعبة والملتفين حول نبي الرحمة ﷺ .. لكن تلك اللحظات لم تلبث طويلًا .. لقد مرت بالمشركين يطاردها الشيطان ..
_________________
(١) حديث صحيح. رواه مسلم.
(٢) متفق عليه.
(٣) أقصد بالشىء الآخر تلك القصة الغريبة (قصة الغرانيق) المخالفة لصريح القرآن الضعيفة سندًا وللعلامة الألباني رسالة حماها (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) ولأستاذي الشيخ الدكتور محمَّد مصطفى الأعظمي نقد لها في (مغازي عروة).
[ ١ / ١٢١ ]
عاد الشيطان من جديد يتمدد في الشرايين والقلوب .. يثير في نفوس المشركين الرعب والخوف من المستقبل المجهول .. من محمد ﷺ وصحابته .. يقول إنهم في طريقهم إلى السيطرة على مكة وغيرها .. ولا بد من إيقاف ذلك الزحف المفزع .. لا بد من إيقاف عمر بل يجب: