كان محمد -ﷺ- يحس بتفاهة هذه الطقوس وتخلفها .. كان يحتقر أصنامهم ويرفض كل ما يمت لها بصلة .. ها هو مع مولاه زيد بن حارثة .. أمام أحد الأصنام .. وها هو زيد يحدثنا عما جرى فيقول: (كان صنم من نحاس يقال له إساف، أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله -ﷺ -، وطفت معه، فلما مررت مسحت به. فقال رسول الله -ﷺ-: لا تمسه، فقلت -في نفسي-: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته. فقال رسول الله -ﷺ-: ألم تُنْه؟. فوالذي أكرمه وأنزل
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ رواه الإمام أحمد. الفتح الرباني (٢٠/ ٢٠٧) من طريقين: أ- حماد أخبرنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس. ب- حماد أخبرنا عمار بن أبي عمار .. مرسلًا. والمسند أصح؛ لأن الراوي عن حماد في المرسل: هو عفان وهو ثقة ثبت لكنه ربما وَهِم. أما الرواة عن حماد في المسند. فهما ثقتان لم يذكر لهما أوهام، وهما: مظفر بن مدرك (أبو كامل) والحسن بن موسى الأشيب. ثم إن المرسل عندما يسأل عن مصدر خبره فإنه يسنده فلا اضطراب هنا.
(٢) حديث صحيح. سيمر معنا.
[ ١ / ٥٤ ]
عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه) (١).
حتى في الحج .. وفي يوم الوقوف بعرفة .. يخالف قومه الذين أرادوا منح أنفسهم امتيازًا على بقية الناس .. وذلك بوقوفهم عشية ذلك اليوم بمزدلفة .. أما هو فقد كان -ﷺ- يخالفهم .. كان يقف بعرفة من بين قومه كلهم. يقول جبير بن مطعم: (لقد رأيت رسول الله -ﷺوهو على دين قومه- وهو يقف على بعير له بعرفات، من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقًا من الله ﷿ له) (٢).
وتقول عائشة ﵂: (كانت قريش، ومن يدين دينها -وهم الحمس (٣) - يقفون عشية عرفة بالمزدلفة ويقولون: نحن قطن البيت. وكان بقية الناس والعرب يقفون بعرفات) (٤).
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. رواه البيهقي من طريق: الحسن بن علي بن عفان، وهو ثقة (التهذيب ٢/ ٣٠٢)، حدثنا أبو أسامة: حماد بن أسامة وهو ثقة ثبت، حدثنا محمد بن عمرو بن علقة بن وقاص، وهو حسن الحديث (التهذيب ٩/ ٣٧٥) عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. وهما تابعيان ثقتان. التقريب (٢/ ٤٣٠) و(٢/ ٣٥٢).
(٢) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق فقال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عثمان بن أبي سليمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير قال: وهذا السند (سيرة ابن كثير ١/ ٢٥٤) صحيح، فابن إسحاق ثقة لكنه مدلس، وهو هنا لم يدلس بل صرح بالسماع من شيخه عبد الله. وشيخه ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم تابعي صغير وثقة معروف. انظر التقريب، وأما عثمان بن أبي سليمان، فهو أيضًا تابعى ثقة. انظر تهذيب التهذيب والتقريب (٢/ ٩). وكذلك نافع بن جبير بن مطعم تابعي ثقة. فالإسناد بذلك صحيح متصل.
(٣) سموا كذلك لتشددهم في دينهم وقيل لأنهم كانوا لا يستظلون أيام منى.
(٤) متفق عليه.
[ ١ / ٥٥ ]
ويقول جبير بن مطعم أيضًا: (أضللت بعيرًا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه، فرأيت النبيﷺ- واقفًا مع الناس بعرفة. فقلت: هذا من الحمس، فما شأنه ها هنا) (١).
كان امتياز قريش هنا زائفًا .. ففر الصواب من بين جموعهم واستقر على بعير محمدﷺ- .. تلك هي الفطرة السليمة التي تأبى الانحراف وتلك هي الغربة المريرة التي يعانيها أفذاذ من الـ: