تتصاعد الأحداث حول محمد -ﷺ- .. وتنحت في نفسه الوجوم والاستفهام .. أصوات وأضواء .. أسرار وأقفال .. وماذا بعد؟ الناس لن تصدق .. والصمت مرير .. وليس سوى خديجة من منصت .. ربما لدى بعض الناس من تفسير .. لكن من هذا البعض؟ ربما أخطأت أقدام السؤال طريقها .. والنتيجة كلمات كالحميم: محمد مجنون.
لكن للّيل نهاية .. ولا بد أن لهذا الكهف من مخرج .. إن الله رحيم ولن يترك هذا العبد الحائر في حيرته .. وها هو الوحي يبدأ خفيفًا كهواء البحر المنعش .. يبشر بحياة جديدة لمحمد وللأرض كلها .. فكان (أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) (١).
ذات يوم رأى رؤيا (فشق ذلك عليه، فذكرها -ﷺ- لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد، فعصمها الله ﷿ من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر، فإن الله ﷿ لن يصنع بك إلا خيرًا، ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها، أنه رأى بطنه
_________________
(١) حديث صحيح. متفق عليه.
[ ١ / ٦٠ ]
شق، ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا والله خير فأبشر) (١).
عندها علم أنه سيكون نبي هذه الأمة يقينًا من الله .. لقد قال -ﷺ- يومًا والصحابة حوله يبتهجون به وبأحاديثه: (ما علمت ذلك -أي أنه نبي- حتى أتاني ملكان ببعض بطحاء مكة، فقال أحدهما: أهو هو؟ قال: نعم. قال: زنه برجل. فرجحته. قال: فزنه بعشرة، فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني بمائة، فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف، فرجحتهم. فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته لرجحها، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني، ثم أخرج منه فعم الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، فاغسل قلبه غسل الملائم، ثم دعا بالسكينة كأنها رهرهره بيضاء، فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني، وجعلا الخاتم بين كتفي، فما هو إلا أن وَلَّيَا عني كأنما أعاين الأمر معاينة) (٢).
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ بالشواهد، له سندان مرسلان، أرسلها عروة والزهرى، لكن يشهد له ما بعده.
(٢) حديثٌ حسنٌ بما قبله، رواه ابن عساكر (سيرة ابن كثير ١/ ٢٣٠) والبزار. انظر مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٥) وهذا سنده: جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشى، أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال: وجعفر ثقة، لكن شيخه عمر مجهول الحال سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٧) ويقويه ما عند أبي داود الطيالسي بسند فيه جهالة. انظر (منحة المعبود ٢/ ٨٦) ثم وجدت في دلائل أبي نعيم أن الراوي عن عروة هو ابنه عثمان وهو ثقة، وقد روى الحديث عن جعفر فيكون قد تابع عمر بن عبد الله، وهذا ما يدل عليه قول صاحب المجمع بعد أن تكلم عن جعفر: وبقية رجاله ثقات، وهو لم ينتقد من السند سوى جعفرًا وهو كما علمت ثقة كما قاله الإمام أحمد، انظر كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وقد عزاه صاحب السيرة الشامية إلى الحارث بن أبى أسامة. انظر: سبل الهدى والرشاد (٢/ ٨٥).
[ ١ / ٦١ ]
أتذكرون مضارب حليمة .. حيث الأطفال والحملان الصغيرة .. عندها أقبل ملكان أبيضان كالسلام .. أضجعا ذلك الصغير وشقا صدره وغسلاه .. وها هو طفل الأمس .. رجل يصافح الأربعن .. يعود إليه الملكان ببطحاء مكة ليغسلاه مرة أخرى بماء السماء .. وينهض يحمل فضل الله .. فما حدث يبشره ويقول: أنت النبي .. المنتظر حتى رأى.