هذا هو مبدأ سيد البشر ﷺ وإمام القادة .. لا يقبل إطلاقًا أي تلفيق في المنهج .. لا جسور في العقيدة بينه وبن الكفر إطلاقًا .. لقد نثروا بين يديه خيارات مغرية .. الزعامة .. والمال والسيادة عليهم وهم سادة العرب شم الأنوف في الذرى بين الجميع .. لكنه ﷺ رفض ذلك كله .. كان بإمكانه أن يتزعمهم ثم ينقلب عليهم إذا اشتد عوده وكثر أتباعه .. كان بإمكانه أن يعقد هدنة معهم ثم يأخذ من المال ما يتيح له أن يعد جيشًا من المرتزقة يحطم به أعداء الله .. لكنه الأمن .. والأمين يقول: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (١) ولن يخون ﷺ مسلمًا ولا كافرًا ولا مشركًا مهما كانت الأسباب فالأمر عقيدة .. والقيادة عقيدة عند رسول الله ﷺ .. فإما أن تكون لله أو تكون للشيطان .. ولن يشاطر الشيطان قيادةً ولا نهجًا.
لقد كان ﷺ يتنازل عن حقه .. يؤذى فيصبر .. يسيل دمه فيمسحه
_________________
(١) = إسحاق، عن نافع عن ابن عمر وفيه ابن إسحاق لم يصرح بالسماع من نافع فالحديث بهذه الطرق حسن.
(٢) حديث صحيح.
[ ١ / ١١٢ ]
ثم يعود إلى بيته مكسور الخاطر صابرًا حزينًا محتسبًا .. كانوا يضعون النجاسة على ظهره وهو ساجد لوجه ربه وأمام كعبته فيصبر أيضًا ويحتسب .. كان الصحابة يتهافتون عليه يبكون جراحهم يبحثون عن خلاص .. فيطالبهم بالصبر .. ورغم ذلك كله .. وبعد هذا العذاب كله .. تجده يذهب إلى أنديتهم مبتسمًا يدعوهم ويدعوهم ولا يمل من دعوتم .. وكانوا يأتونه في بيته رغم عداوتهم له يضعون أموالهم وودائعهم عنده ويلقبونه بالأمين.
ما الذي يجري وما تفسيره .. سياطهم على ظهره وأموالهم ودائع محفوظة عنده .. لم يقل هؤلاء مشركون نجسون فمالهم حلال لي .. ولا عهد لهم ولا ذمة ولا كرامة .. لم ينتقم لنفسه أبدًا .. لم يعاقب أحدًا لأنه ضربه أو شتمه .. بل كان يدعو لهم بالهداية.
هذا هو الفرق بين رسول الله ﷺ وبين متحمسين شوهوا الإِسلام وأعاقوه أكثر مما أعاقه أعداءه.
هناك من الدعاة من يتنازل عن بعض مبادئ العقيدة من أجل مكسب سياسي .. وهناك من الدعاة من يرى أن السياسة رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه مع أن الحكم والسياسة من توحيد الألوهية الذي هو حق لله سبحانه وحده.
ومن المتحمسين من يحمل بضعة أحاديث يغلفها بسوء ظن ويرصد من حوله ليرميه بالكفر والمروق أو الفسق والانحلال.
وهناك من يحاسب الناس وكأنهم يعلمون كل شىء عما يحاسبهم عليه مثل علمه تمامًا .. وهناك من يدعو الناس وقد حرم على نفسه الابتسامة ورسم على وجهه كل أنواع العبوس والتكشير .. كأنه خارج
[ ١ / ١١٣ ]
من معركة ضاع فيها الشرف وسالت فيها الدماء .. وكأن رسول الله ﷺ لم يكن أكثر الناس تبسمًا .. وأكثر الناس تطيبًا .. وأزكى الناس رائحة .. كأن الرسول ﷺ لم يقل إن الله جميل يحب الجمال.
وهناك من يعامل اليهود والنصارى وغيرهم وكأنهم علماء متبحرون في دينهم .. كأنهم يتعمدون الكفر .. وكأن المسلم غير ملزم بدعوتهم قبل بغضهم واضطرارهم إلى أضيق الدروب. ويغفل هؤلاء -وهم في غمرة حماسهم- ويتناسون: