مشرك قوي البنية .. لم يتمكن أحد من طرحه على الأرض .. ويبدو أنه قد تميز عن أهل عصره بتلك البنية البدنية الجبارة .. هذا الرجل يرى في جسده كل ثروته وشهرته .. أما رسول الله ﷺ فكان يرى في تلك العضلات المنحوتة بالنشاط أبوابًا إلى عقل ركانة وروحه .. فلا بأس من طرقها لعل الله أن يهديه للإسلام .. فيقرر ﷺ ممارسة لهو مباح مع هذا المشرك .. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن ما قام به ﷺ ليس من اللهو .. فماذا فعل ﷺ مع ابن ركانة؟ لقد (جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلثمائة من الغنم فقال: يا محمَّد، هل لك أن تصارعني؟ قال ﷺ: وما تجعل لي إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه، فصرعه، ثم قال: هل لك في العود؟ فقال ﷺ: وما تجعل لي؟ قال: مائة أخرى، فصارعه، فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمَّد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقام عنه ورد عليه غنمه) (١).
_________________
(١) رواه الخطيب وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٥٠١).
[ ١ / ١١٤ ]
هل هناك من يقول إن رسول الله ﷺ كان يمارس شيئًا غير اللهو المباح .. هل كان ﷺ بتلك المصارعة يتدارس معه علمًا .. أدبًا في صلاة ..؟ بالطبع لا .. لكن من المؤكد الذي لا شك فيه أن لرسول الله ﷺ هدفًا من تلك المصارعة أسمى من غنماته وعضلاته .. كان ﷺ يسعى لإسلامه .. يفتش داخل هذا الجسد القاسي عن توحيد مكبل ليحرره .. كان ﷺ يقدم درسًا لأمته يكشف فيه مدى حاجة هؤلاء المشركين إلى التوحيد والإيمان .. وأن هؤلاء المشركين مهما بلغت قسوتهم وطفح طغيانهم مساكين .. غرقى بحاجة إلى من ينتشلهم من قلب الظلمة .. من أجل ذلك قدم ﷺ درسًا يبيح فيه الخوض في أبعاد الحلال وأعماقه من أجل إنقاذ إنسان كركانة .. لكن ماذا يقول المرء وهناك من يتناسى-باسم الإِسلام- فعله ﷺ ولهوه مع ركانة وهو ليس بمسلم .. ماذا يقول المرء .. وهناك من يرى أن اللين لا يجوز إلا مع الملتزمين المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ وأن اللين الشدة والغلظة وعدم السلام أشياء مطلوبة مع من لا يظنهم كذلك.
ويصنف الناس وينسى أثناء تصنيفه ما هو أهم .. ينسى أخوة الإِسلام ويحاول التملص من واجبات تلك الأخوة .. إنها ميول مغلفة بطابع ديني .. وما كان رسول الله ﷺ يمرر شهوته من خلال الدين .. لقد كان ﷺ يرسم يطبق شرعًا في التعامل والقيادة .. لقد كان سمحًا مبتسمًا .. لا ينتقم لنفسه أبدًا .. ولا يرصد الأخطاء على من ظلموه ليتشفى .. بل كان يتسامح .. كان يصل هؤلاء المشركين ويعرف حق القرابة والرحم رغم افتراقه عنهم في العقيدة .. لأنه مكلف بتسليمهم رسائل ربهم فردًا فردًا .. ومكلف بالصبر والانتظار حتى ولو تحولت الأرض كلها إلى كفر بالله .. هذا هو الفرق بين هؤلاء ورسول الله ﷺ .. هؤلاء يبذلون القليل وينتظرون الكثير ويغضبون إن لم يظفروا بنتائج .. أما رسول الله ﷺ فكان يكدح ويعمل ويبذل ويصبر ولا
[ ١ / ١١٥ ]
ينتظر شيئًا من أحد .. كان ينتظر الجزاء من الله .. فإن ظفر بنتائج وظفها كما وظف نفسه وجعلها للأرض سلامًا وشعاع نور للتائهن.