حالة واحدة تخضع فيها قريش للحق .. هي البطش .. ونزع الحرية
_________________
(١) سورة الأنعام: الآيات ٣٣ - ٣٥.
(٢) سورة الأنعام: الآية ٣٦.
[ ١ / ١٦٢ ]
والاختيار منهم .. عندما يذوقون العذاب تتوه منهم إرادتهم .. عندها ينحنون للحق معلنين التوبة والإنابة. يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
لقد حدث ذلك من قريش كما أخبر سبحانه .. تنازلوا عن كل شيء .. ودسوا جباههم في التراب وانحنوا جوعًا وخوفًا وهزالًا .. حدث ذلك عندما (دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا إلى الإِسلام فابطأوا عليه، فقال - ﷺ -:
اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف (٢). فأخذتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا من الجوع. قال الله ﷿: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
فدعوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (٤).
[فأتى رسول الله - ﷺ - فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت .. فاستسقى فلما أصابتهم الرفاهية عادو إلى حالهم]. ثم عادوا في كفرهم (٥).
ما أسرع نسيان قريش .. ويحهم أما تعلقوا بأستار الكعبة يوم ولد
_________________
(١) سورة الأنعام: الآية ٤٠.
(٢) أي السبع العجاف التي مرت بقوم يوسف.
(٣) سورة الدخان:١٠ - ١١.
(٤) سورة الدخان: ١٢ - ١٥.
(٥) حديث صحيح. رواه البخاري ٤/ ١٨٠٩ و١٨٢٣.
[ ١ / ١٦٣ ]
رسول الله - ﷺ - هربًا من الفيل الحبشي وأصحابه .. ولتنشيط ذاكرتهم تنزل كلمات الله سبحانه .. تنزل سورة الفيل تهز قريش وترفع رأسها نحو السماء علها تفيق وتدرك ما يحدث: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١).
وتنزل سورة أخرى على محمَّد - ﷺ - .. تهز ذاكرتم وسباتهم مرة أخرى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢).
لكنهم لا يفيقون .. إنهم خشب مسندة .. حجارة تتدحرج فتحطم ما تحتها .. إن كل محاولة للتذكر تعقبها سطوة من قريش وتنكيل .. والنتيجة جراح ودموع وأنين تضج بها دور المستضعفين .. ما الذي يرضى هؤلاء .. وماذا يريدون.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣)
قريش أهل فصاحة ومعرفة بلغة القرآن أكثر من غيرهم ممّن جاءوا بعدهم .. لقد سحرهم هذا القرآن ببلاغته وبيانه .. واعترفوا بعجزهم عن أن يأتوا بمثله .. ورفضوا أن يكون هذا الكلام صادرًا من بشر .. وماذا بعد؟ لا شيء .. إصرار على الموقف .. وحسد لمن اختاره الله نبيًا .. ومحاولة
_________________
(١) سورة الفيل.
(٢) سورة قريش.
(٣) سورة الأنعام: الآية ١٥٨.
[ ١ / ١٦٤ ]
لتعجيزه - ﷺ - بكثرة الطلبات .. لكن الله سبحانه ينزل آياته قاطعًا دابر العبث القرشي .. فالإيمان لا يحتاج إلى تلك المطالب الساذجة .. إنه فقط يحتاج قلبًا مفتوحًا وفكرًا سليمًا.