فقد (قالت قريش للنبي - ﷺ -:
ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، نؤمن بك. قال رسول الله -ﷺ -: وتفعلون؟ قالوا:
نعم. فدعا، فأتاه جبريل فقال:
إن ربك ﷿ يقرأ عليك السلام، ويقول:
إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت، فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. قال - ﷺ -: بل باب التوبة والرحمة) (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. رواه مسلم وفضائل الصحابة والبيهقيُّ واللفظ له (١/ ٣٥٣).
(٢) سورة الأنعام: الآيتان ٥٢، ٥٣.
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٢) وحدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس، وعبد الرحمن هو ابن مهدى =
[ ١ / ١٦٠ ]
يا لرحمته - ﷺ - بهؤلاء الذين آذوه وقهروه وأذلوه .. إنه يطلب لهم الرحمة والتوبة .. فهو لم يبعث جبارًا منتقمًا .. إنه كما قال عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة) (١) هذا هو محمَّد - ﷺ - .. أما أولئك .. فقد أنزل الله على نبيه سورة الأنعام وفيها يصفهم .. يفصح عن حقيقتهم التي ارتضوها لأنفسهم .. إنه العناد والعناد فقط فلا الآيات ولا المعجزات ولا غيرها تقنعهم .. يقول سبحانه: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٢).
أما قومك يا محمَّد: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) = الإمام الحافظ الثقة المثبت العارف بالرجال والحديث. انظر التقريب (١/ ٤٣٩) والتهذيب (٦/ ٢٧٩) وسلمة بن كهيل تابعي ثقة (التقريب ١/ ٣١٨) وشيخه أيضًا ثقة، واسمه الصحيح: عمران بن الحارث السلمي، أبو الحكم الكوفي وهو من رجال مسلم (التقريب ٢/ ٨٢) والتهذيب (٨/ ١٢٤).
(٢) حديث صحيح. انظر (٢/ ٢٨٤) من صحيح الجامع الصغير.
(٣) سورة الأنعام: الآيات ٤ - ٦.
(٤) سورة الأنعام: الآيات ٧ - ١١.
[ ١ / ١٦١ ]
ثم يخبره سبحانه مرة أخرى عن حقيقة هؤلاء مسليًا نبيه .. طاردًا ذلك الوجوم الذي يخيم عليه من تكذيب قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). ولو جمعهم سبحانه وأرغمهم على الهدى لسلب منهم الحرية والإرادة .. كما سلبها من سائر المخلوقات .. لكنه فضلهم وكرمهم بهذه الإرادة فهم يختارون طريقهم .. وسيحاسبون عليه .. لأنهم حملوا الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال .. وهي الإرادة .. هذه الحيوانات ستصير يوم القيامة ترابًا لأنها مسلوبة الإرادة .. إنها جزء من هذا الكون المسخر للإنسان .. المعجون لابن آدم يتصرف فيه كيف يشاء .. ثم يحاسب في نهاية المطاف على تصرفه ذلك .. وهنا تنتصب الحقيقة ماثلة أمام الجميع: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢).