قصد سيدنا إبراهيم مكّة، وهي في واد محصور بين جبال جرداء، ليس فيه ما يعيش عليه الناس، من ماء، وزرع، وميرة، ومعه زوجه هاجر، وولده إسماعيل، فرارا من الوثنيّة المنتشرة في العالم، ورغبة في تأسيس مركز يعبد فيه الله، ويدعو الناس إليه، ويكون منارا للهدى، ومثابة للناس، ونقطة انطلاق لدعوة التوحيد، والحنيفية السمحة والدين الخالص «٢» .
تقبّل الله هذا العمل الخالص، وبارك في هذا المكان، وأجرى الله الماء لهذه الأسرة المباركة الصغيرة، المؤلّفة من أمّ وابن- وقد تركهما إبراهيم في هذا المكان القاحل المنعزل عن العالم- وكان بئر زمزم، وبارك الله في هذا الماء.
وكان إبراهيم لا يزال في جهاد، ودعوة، وانتقال من مكان إلى مكان، يدعو الناس إلى الله، ويعود إلى مكّة، فيقضي فيها أياما، ثمّ يغادرها «٣» .
_________________
(١) استفدنا في هذا البحث الأخير من كتاب «خاتم النبيين ﷺ» للعلامة محمد أبو زهرة؛ ج ١، فصل «أرض النبوة الأولى هي أرض العرب» .
(٢) القرآن الكريم سورة البقرة [الآية: ١٢٦]، وسورة إبراهيم [الآية: ٣٧] .
(٣) تؤيّد ذلك الروايات اليهودية وتقول: إنّ إبراهيم كان يتردّد إلى إسماعيل بين آونة وأخرى ويزوره سرا في الصحراء (تعني الجزيرة العربية) راجع: D.Sidersky- des- origines des legends Musalmans) Paris.٣٣٩١ (pp.١٥- ٣٥.
[ ١١٨ ]
ونشأ إسماعيل، وأراد إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل، وهو غلام يسعى، إيثارا لحبّ الله تعالى على حبّه، وتحقيقا لما رآه في المنام.
واستسلم إسماعيل لهذا الأمر ورضي به، وفداه الله بذبح عظيم «١»، وسلّمه ليكون عون أبيه في الدعوة إلى الله، وليكون جدّ آخر نبيّ وأفضل الرسل، وجدّ أمة تضطلع بأعباء الدعوة إلى الله والجهاد في سبيلها.
وعاد إبراهيم إلى مكّة، واشترك الأب والابن في بناء بيت الله، وكان دعاؤهما أن يتقبّل الله هذا البيت، ويبارك فيه، وأن يعيشا على الإسلام، ويموتا عليه، ولا ينقطع بموتهما بل ترثه ذريّته، فتحتضنه، وتغار عليه، وتدعو إليه، وتؤثره على كلّ عزيز، فتنتشر هذه الدعوة في العالم، وأن يبعث الله فيها نبيّا من ذريّته، يجدّد دعوة جدّه إبراهيم، ويتمّ ما بدأه.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٧- ١٢٩] .
ودعا إبراهيم أن يظلّ هذا البيت آمنا دائما، وأن يسلّم الله أولاده من عبادة الأصنام، الّتي لم يكن هو أشدّ كراهة لشيء، ولا أكثر تقزّزا، ولا أخوف لشيء على ذرّيته منها.
فقد رأى مصير الأمم ومصير الأسر، بعد الأنبياء الذين بعثوا فيها، وبعد الجهود الجبّارة والدّعوات القويّة التي قاموا بها، وكيف أصبحت بعد
_________________
(١) [قال تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ]، سورة الصافات [الآية: ١٠٧] .
[ ١١٩ ]
مفارقتهم للدنيا فريسة الشياطين المفسدين، والدجّالين المضلّلين من عبّاد الأوثان ودعاة الجاهليّة.
وتمنّى أن يكون أولاده وأولاد أولاده على اتصال دائم بدعوته وجهاده، يذكرون قصّة محاربته للوثنيّة، وخلعه للأوثان، وتحطيمه لها، ومصارمته للوالد السّادن لبيت الأصنام، وفراقه للأهل والوطن، وأن يذكروا سرّ اختيار هذا المكان القاحل، الذي لا يصلح للزّرع، وازدهار المدنية، ويعرفوا سرّ إيثاره على المدن الكبيرة، والأمكنة الصالحة للفلاحة والتجارة، وأسباب العيش، وأن يعوّض عن ذلك بأن يعطف عليهم القلوب، ويهوي إليهم الأفئدة، ويسوق إليهم الرزق الكريم، ويجبي إليهم ثمرات كلّ شيء:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٥- ٣٧]