كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليها الإنسان في منتصف القرن المسيحيّ، أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلّمون من أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلّمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر.
ولكنّ القضية كانت قضية إزالة أنقاض جاهلية، ووثنية تخريبية، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلّمين، وإقامة بناء شامخ مشيّد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كلّه، ويؤوي الأمم كلّها.
قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كلّ شيء، كأنّه ولد من جديد، أو عاش من جديد أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢] .
قضية اقتلاع جرثومة الفساد، واستئصال شأفة الوثنية، واجتثاثها من
_________________
(١) Bosworth Smith:Mohammad and Mohammedanism،Lodon،٦٧٨١. (١)
[ ١٠٣ ]
جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخا، لا يتصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، والانتصار للحق، يتغلب على كلّ رغبة، ويقهر كلّ شهوة، ويجرف بكلّ مقاومة.
وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانية المنتحرة التي استجمعت قواها للوثوب في جحيم الدنيا والآخرة، والسّلوك بها على طريق أولها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنّة الخلد التي وعد المتّقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المنّ ببعثة محمد ﷺ.
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣] .
إنّه لم يعرف في تاريخ البشريّة كلّه عمل أدقّ وأعقد، ومسؤولية أعظم وأضخم، من مسؤولية محمّد ﷺ كنبيّ مرسل.
كما أنّه لم يعرف غرس أثمر مثل غرسه، وسعي تكلّل بالنجاح مثل سعيه، إنّها أعجوبة العجائب، ومعجزة المعجزات.
وقد شهد بذلك أديب وشاعر فرنسيّ في قوّة وبلاغة، ووضوح وصراحة، يقول «لامارتين:) Lamartine («١»: «
«إنّ إنسانا لم ينهض أبدا- متطوّعا أو غير متطوّع- لمثل هذا الهدف الأسمى، لأنّ هذا الهدف كان فوق طاقة البشر، لقد كان تحطيم تلك الحواجز من الأوهام والأحلام، التي حالت بين الإنسان وخالقه، والأخذ بيد الإنسان إلى عتبة ربّه، وتحقيق عقيدة التوحيد النقية العقلية المعقولة
_________________
(١) لامارتين ١٨٦٩ -١٧٩٠) Lamartine (م.
[ ١٠٤ ]
الساطعة، في ضباب هذه الوثنيّة السائدة والآلهة المادية، هو ذلك الهدف الأسمى والأعلى، إنّه لم يحمل إنسان مثل هذه المسؤولية الضخمة، والمهمّة العظيمة الجليلة، التي تخرج عن طوق البشر، بمثل هذه الوسائل الحقيرة الضئيلة» .
إلى أن قال:
«وأروع من ذلك أنّه هزّ تلك الأصنام والآلهة، والأديان، والتصوّرات، والعقائد والنفوس الإنسانية هزة عنيفة، إنّه بنى على أساس ذلك الكتاب الذي يعتبر كلّ كلمة منه مصدر التشريع، قومية ربانية، ألّفت بين أفراد كلّ جيل، وسلالة، ولغة.
إنّ الميّزة الخالدة لهذه الأمة، التي كوّنها لنا محمد ﷺ أنّها شديدة المقت والتقزز من الآلهة الباطلة، شديدة الحبّ لله الواحد الذي يتنزّه عن المادة وشوائبها، وهذا هو الحبّ الذي يدفعه إلى الثأر والانتصاف من كلّ إهانة توجّه إلى الذات الإلهيّة، وهذا الحبّ يعتبر أساس سائر الفضائل عند هذه الأمّة.
لقد كان إخضاع ثلث العالم لهذه العقيدة الجديدة من مأثرته بلا ريب، لكنّ الأصحّ أنّه كان معجزة العقل لا معجزة فرد واحد، إنّ الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت تئنّ فيه الدّنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها، كان معجزة مستقلة بذاتها.
وما لبث محمّد ﷺ أن أعلن هذه العقيدة أمام الملأ، حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها فلا داعي فيها ولا مجيب، وتكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان» «١» .
_________________
(١) لا مارتين) Lamartine (في كتابه) Historire de la Turquie (ج ٢؛ ص ٢٧٦- ٢٧٧-
[ ١٠٥ ]
إنّما كان يحتاج هذا الانقلاب الشامل، وهذا البعث الجديد للإنسانية إلى رسالة جديدة، من أعظم الرّسالات، وإلى رسول يرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه، وصدق الله العظيم:
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ١- ٣] .
_________________
(١) - (باريس ١٨٥٤) مقتبس من كتاب) Islam in the World (للدكتور «زكي علي» ص ١٥- ١٦، (لاهور- ١٩٤٧ م) .
[ ١٠٦ ]