وكان رسول الله ﷺ يخفي أمره، ومضى على ذلك ثلاث سنوات، ثمّ أمره الله تعالى بإظهار دينه، وقال:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] . وقال: وَأَنْذِرْ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١: ص ٢٤٩- ٢٥٠.
(٢) المصدر السابق: ج ١ ص ٢٥٠- ٢٥١.
(٣) المصدر السابق: ج ١، ص ٢٥٢- ٢٥٥.
(٤) المصدر السابق: ج ١، ص ٢٦٢.
[ ١٨٤ ]
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٤- ٢١٥]، ووَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩] .
فخرج رسول الله ﷺ وصعد على جبل «الصّفا» ونادى بأعلى صوته:
«يا صباحاه»، وكانت صيحة معروفة مألوفة، كلّما أحسّ إنسان بخطر عدوّ، يغير على بلد، أو على قبيلة، على غفلة منهما، نادى:
«يا صباحاه» فلم تتأخّر قريش في تلبية هذا النداء، واجتمعوا إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث إليه رسوله.
فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب! أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدّقتموني؟!» .
كان العرب واقعيّين عمليّين، إنّهم رأوا رجلا جرّبوا عليه الصّدق والأمانة والنصيحة، قد وقف على جبل يرى ما أمامه، وينظر إلى ما وراءه، وهم لا يرون إلّا ما هو أمامهم، فهداهم ذكاؤهم وإنصافهم إلى تصديق هذا المخبر الأمين الصّادق، فقالوا: نعم.
ولمّا تمّت هذه المرحلة الطبيعية البدائية، وتحققت شهادة المستمعين، قال رسول الله ﷺ: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» .