وكانت الناحية الدينية أضعف- بحكم بعد العهد بالنبوّات، وفشوّ الجهل، وانتشار الوثنية، التي اقتبسوها من الأمم المجاورة فغلوا فيها- من الناحية الأدبية والحضاريّة، فأغرقوا في الوثنيّة، وأولعوا بالأصنام، فكان في جوف الكعبة وفنائها ثلاثمئة وستّون صنما.
وكان كبيرها عندهم «هبل» وكان على بئر في جوف الكعبة، وهي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان بالعقيق الأحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدا من ذهب.
وكان أمام البيت صنمان «أساف» و«نائلة»، وموضعهما عند الكعبة، أحدهما يلصق بالكعبة، والآخر بموضع زمزم، فنقلت قريش الذي يلصق بالكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، وكان على الصّفا صنم، يقال له «نهيك مجاود الريح» وعلى المروة صنم، يقال له «مطعم الطّير» .
وكان في كلّ دار من مكّة صنم يعبدونه.
وكانت «العزّى» قريبا من عرفات، وكان عليها بيت، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يستقسمون عند أصنامهم بالأزلام.
وكانت «ذو الخلصة» بأسفل مكّة، وكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبّون عليها اللّبن، ويذبحون لها، ويعلقون بيض
_________________
(١) - «الدلائل» (٢/ ٣٠١- ٣٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤- ٢٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرّح بالسماع] .
[ ١٤٨ ]
النعام بها، وكانت الأصنام يطاف بها في مكّة، فيشتريها أهل البادية ويخرجون بها إلى بيوتهم.
وكذا وصلوا- رغم ما طبعوا عليه من الفتوّة وخلال المروءة وكثير من الأخلاق العربيّة الكريمة- إلى درجة سخيفة راعنة من الوثنية وعبادة الأصنام والتمسّك بالخرافات والأوهام، وجهل المفاهيم الدينية الصحيحة، والبعد عن الإبراهيمية الحنيفيّة السّمحة، درجة لم يصل إليها إلا النادر من الشّعوب والأمم «١» .
هذه مكّة في منتصف القرن السادس المسيحيّ عند بعثة الرسول الأعظم ﷺ وطلوع شمس الإسلام من أفقها المظلم، وصدق الله العظيم:
لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ «٢» [يس: ٦]
_________________
(١) يرجع في معرفة أديان العرب وعقائدهم إلى فصل «أديان العرب» من كتاب (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام): ٦/ ٥- ٤٤٩.
(٢) اعتمدنا في كتابة هذا الفصل على إشارات عابرة في كتب التفسير والحديث، ومعلومات مبعثرة جاءت في كتاب «الأصنام» للكلبي (ت ١٤٦ هـ) و«السيرة النبوية» لابن هشام (ت ٢١٣ هـ)؛ و«أخبار مكة» للإمام أبي الوليد محمد الأزرقي (ت ٢٢٣ هـ)، و«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» للسيد محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢ هـ) واستفدنا من كتاب «تاريخ مكة» للأستاذ أحمد السباعي، وكتاب «مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول» للأستاذ أحمد إبراهيم الشريف.
[ ١٤٩ ]
الفصل الثاني من الولادة الكريمة إلى البعثة العظيمة
شجرة النبي ﷺ
ولادته ونسبه الشريف
رضاعته، وحادثة شقّ الصدر
وفاة أمّه وجدّه، وكفالة عمّه
قصة الراهب بحيرى وتفنيدها
زواجه من خديجة بنت خويلد
قصة بناء الكعبة ودرء الفتنة
حلف الفضول
[ ١٥١ ]