وبقيت قريش متمسّكة بدين إبراهيم الخليل وبدين جدّها إسماعيل، متمسّكة بالتوحيد، وبعبادة الله وحده، حتى كان عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي، فكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وأحدث في الحيوانات من التعظيم والتسييب والتحريم ما لم يأذن به الله، ولم تعرفه شريعة إبراهيم، وكان قد خرج من مكّة إلى الشام، فرأى أهلها يعبدون
_________________
(١) اقرأ للتفصيل «السيرة النبوية» لابن هشام، ج ١ (أولاد عدنان) .
[ ١٢٢ ]
الأصنام، ففتن بها، وجلب بعضها إلى مكّة، فنصبها، وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها «١» .
ولا غرابة في أنّه مرّ في طريقه إلى الشّام من «البتراء» التي ضبطها المؤرّخون والجغرافيّون القدامى ب «بطراء» و«بطرة»، وهي تقع الآن في جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، وكانت القصبة العربية الصخريّة المشهورة عند اليونان والرومان، قيل: إنّه أنشأها الأنباط، وهم من أصل عربيّ، قبل آلاف من السّنين، وقد بلغوا في المدنيّة والصناعة شأوا بعيدا، وكان بينهم شعراء وأطباء وتجار كبار، وكانوا يرحلون إلى مصر والشام وبلاد الفرات وروما، ويجوز أنّهم كانوا يمرّون بالحجاز في طريقهم إلى وادي الفرات، وكانوا مع ذلك منغمسين في الوثنيّة السافرة، ينحتون الأصنام ويعبدونها،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ق ١، ص ٧٦- ٧٧، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيّب السوائب»؛ [أخرجه البخاري في كتاب التفسير، برقم (٤٦٢٣)، ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم (٩٠١)، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٧٥)] . وفي حديث رواه محمد بن إسحاق؛ أنه كان أول من غير دين إسماعيل؛ فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، (راجع «السيرة النبوية» لابن كثير؛ ج ١ ص ٦٤- ٦٥) . وممّا تحقق من متابعة كتب التاريخ أن جدّ عمرو بن لحي لأمه كان آخر ولاة مكة، وقد آلت هذه التولية إلى عمرو بن لحي، وقد أبدى الأزرقي ما كان يتمتع به من شأن وفخامة (ص ٤٩ ١٣٣)، وقد بلغ من المجد شأوا لم يبلغه أحد قبله في الجاهلية، وهو أول من غيّر دين إسماعيل ودعا إلى الوثنية السافرة (جمهرة أنساب العرب، ص ٢٣٥)، وهو أول من أحدث تغييرا في مناسك الحج. ويبدو من متابعة المصادر التاريخية أنه سبق ظهور الإسلام بأربعة قرون ونصف. (ملخص البحث الذي جاء في دائرة المعارف الإسلامية، الصادرة من «دانش كاه بنجاب» لاهور، مجلد ١٤/ ٣ ص ٢٦٣- ٢٦٥) .
[ ١٢٣ ]
قيل: إنّ «اللّات» التي هي في مقدّمة الأصنام التي كان يعبدها أهل شماليّ الحجاز، استوردوها من «البتراء» وجعلوها في أصنامهم الرئيسيّة «١» .
ويؤيّد ذلك ما جاء في كتاب «تاريخ سورية» لمؤلّفه فيليب حتّي) P.K.Hitti (حول المناطق النبطية أي شرقيّ الأردن حاليا، يقول:
«وكان زعيم هؤلاء الآلهة «ذي الشرا»، وكان يشبه عمودا مستطيلا أو حجرا أسود مربعا وكانت «اللّات» الآلهة الخاصة للعرب متصلة ب «ذي الشرا» ومن الآلهة النبطية الآخرى التي ورد ذكرها في كتابة من الكتابات الأثرية، هي «مناة» و«العزّى» وقد ورد ذكر «هبل» أيضا في تلك الكتابات» «٢» .
ولا يعزبنّ عن البال أنّ هذا العصر كان عصر انتشار الوثنيات حول الجزيرة العربية، ومنها حوض البحر الأبيض المتوسط، فلم تظهر دعوة المسيح وحواريه بعد، التي عارضت الوثنية، وقللت من حدتها ونشاطها.
أمّا اليهودية فقد كانت ديانة سلالية محصورة في بني إسرائيل، لم تؤذن لدعوة غير بني إسرائيل إلى التوحيد.
ويؤيّد ذلك ما جاء في كتاب «العرب قبل محمد» لمؤلّفه.LDe Lacy OLeary قال:
«ولا يبعد عن الصحة أن يقال: إنّ عبادة التماثيل إنّما كانت من منح
_________________
(١) وقد زارها المؤلف، ولا حظ كثرة المعابد الوثنية المحفورة في الجبل في ١٩/ ٨/ ١٩٧٣ م، أثناء جولته في غرب آسيا؛ عضوا في وفد لرابطة العالم الإسلامي في مكة [اقرأ عن هذه الرحلة في كتاب «رحلات العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي مشاهداته- محاضراته- لقاءاته- انطباعاته» إعداد المحقّق ص (٢١٥)، طبع دار ابن كثير بدمشق] . P.K.Hitti:History of Syria.) London،١٥٩١ (p. ٢٨٣ -٣٨. (٢)
[ ١٢٤ ]
سورية وفدت إلى الجزيرة عن طريق التقاليد الشاميّة اليونانيّة المنتشرة في سورية، ولعلّها لم تكن سائدة في سائر أنحاء العرب» «١» .
وكذلك كانت الوثنيّة منتشرة في وادي الفرات وشرقيّ الجزيرة العربية، وكان بين الجزيرة وهذه المنطقة اتصالات تجارية وعلاقات وديّة، فلا يستبعد أن يكون لهذه المنطقة نصيب في انتشار الوثنيّة في الجزيرة.
وقد صرّح) Georges Roux (في كتابه «العراق القديم» بأنّ الكتابات الأثرية في العراق تدلّ على أنّ الوثنية كانت منتشرة فيها في القرن الثالث المسيحيّ فيما بعد، وهي كانت مسكنا للآلهة، منها أجنبية ومنها محليّة «٢» .
وقيل: إنّ عبادة الأصنام نشأت في قريش تدريجيّا، فقد توصّلوا من تعظيم حجارة الحرم، التي كانوا يحملونها معهم إذا ظعنوا من مكّة، تعظيما للحرم، ومحافظة على ذكراه، إلى أن صاروا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلّفوا خلفا نسوا ما كانوا عليه، وعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، وفيهم- على ذلك- بقايا من عهد إبراهيم يتمسّكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحجّ والعمرة «٣» .
وتاريخ الأمم والدّيانات في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن الوسائل إلى الغايات، ومن المقدّمات إلى النتائج، يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء من تعليل
_________________
(١) .) Arabia Before Mohammad (،) London،٧٢٩١ (p. ٦٩١ -٧٩ (١)
(٢) راجع للتفصيل.Ancient Iraq،) ٢٧٩١ (p. ٣٨٢ -٤٨
(٣) راجع للتفصيل في أسماء الأصنام وأخبارها ومواطنها وأسباب اتخاذها كتاب «الأصنام» للكلبي، و«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب» تأليف العلامة السيد محمود شكري الآلوسي، الجزء الثاني؛ (ذكر شيء من أخبار الأصنام وسبب اتخاذ العرب لها) ص ٢٠٠ ٢١٥.
[ ١٢٥ ]
بدء الوثنية في العرب بصفة عامة وفي قريش بصفة خاصّة، وتاريخ بعض الشعوب الإسلامية وطوائفها في التدرج إلى عبادة الصّور والضرائح ومغالاتها في التعظيم والتقديس يؤيّد ذلك.
لذلك ألحّت الشريعة الإسلامية على سدّ الذرائع المؤدّية إلى الشّرك، والغلوّ في الأشخاص والآثار «١» .