أرضعته ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيّام «٢»، ثمّ التمس عبد المطّلب
_________________
(١) رواه البيهقي «في دلائل النبوة» (ج/ ١، ص/ ١٢٦- ١٢٠) وابن جرير، وابن عساكر كلّهم من حديث مخزوم بن هاني عن أبيه. وذكره أكثر أصحاب السير، ورواه الحافظ المؤرّخ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري بتوسّع في الرواية، وما كان له من ردّ فعل على كسرى إمبراطور إيران، وما دار حوله من حديث انطباعات في مجلسه، وأورده الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٤٧ هـ) في كتابه: «السيرة النبوية» (ج ١، ص ٢١٥، والعلامة علي بن برهان الدين الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ) في كتابه: «إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون» الشهير بالسيرة الحلبية، (الجزء الأول) . وقد قرّر ذلك وحكم بصحة الروايات العلامة محمد أبو زهرة في كتابه: «خاتم النبيين ﷺ» (ج ١، ص ١٥٠) . وقد ذكر هذه الروايات المؤّرخ الإنجليزي) T.P.Hughes (في كتاب:) Dictionary of Islam (نقلا من المصادر الإسلامية، من غير تعليق عليها أو تشكيك فيها (طبع لندن: ص/ ٢٦٨) . وفي الحقيقة أنّ ما ذكر من بدء أمارات تنبىء باستئناف العالم لدور جديد، وخضوع مظاهر العظمة والشوكة المصطنعة، لفجر من الهداية والسعادة والحق، قد بدت طلائعه على العالم المتمدّن المعمور، إشارة لطيفة للمتبصرين، وإلا فقد كانت الولادة الكريمة- التي تليها البعثة المحمدية- أعظم وأضخم، وأوسع وأعمق، من أن تدلّ عليه هذه الإمارات الحسية وتنبىء باستئناف العالم والبشرية لدور جديد من البعثة الإنسانية، عقائديا وعمليا، وأخلاقا، وجهودا، وهداية وتوجيها، لا تسعها ولا تؤدّي حقها هذه الأمارات المشاهدة الإقليمية المحدودة: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفتح، الآية: ٧] .
(٢) [أخرج البخاريّ حديث إرضاع ثويبة للنبي ﷺ في كتاب النكاح، باب وَأُمَّهاتُكُمُ-
[ ١٥٩ ]
لحفيده اليتيم، الذي كان أحبّ أولاده إليه، مرضعا من البادية، على عادة العرب، وكان العرب يؤثرون البادية لرضاعة الأطفال ونشأتهم الأولى، لما في هواء البادية من الصفاء، وفي أخلاق البادية من السلامة والاعتدال، والبعد عن مفاسد المدنية، ولأنّ لغة البادية سليمة أصيلة.
وجاءت المراضع من قبيلة بني سعد، وكانت لها شهرة في المراضع وفي الفصاحة، وأدركت حليمة السعديّة «١» هذه السعادة، وكانت خرجت من بلدها تلتمس الرضعاء، وكان العام عام جدب، وهم في ضيق وشدّة، وعرض رسول الله ﷺ على جميع المراضع فزهدن فيه، وذلك لأنهنّ كنّ يرجون المعروف من أبي الصبيّ، فقلن: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟!
وهكذا فعلت حليمة، فانصرفت عنه أوّل مرة، ثمّ انعطف قلبها عليه، وألهمها الله حبّه، وأخذه، ولم تكن وجدت غيره، فرجعت إليه، فأخذته، وذهبت به إلى رحلها، ولمست البركة بيدها، فكان لكلّ شيء في رحلها شأن غير الشأن، ورأت البركة في اللبان والألبان، والشارف والأتان، وكلّ يقول: لقد أخذت يا حليمة! نسمة مباركة، وحسدتها صواحبها «٢» .
_________________
(١) - اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [الفتح: ٢٣] برقم (٥١٠١)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، برقم (١٤٤٩)، وأبو داود في كتاب النكاح، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، برقم (٢٠٥٦) كلّهم من حديث أم حبيبة ﵂] .
(٢) السعدية: نسبة إلى سعد بن بكر بن هوازن، وهي بنت أبي ذؤيب، وزوجها الحارث بن عبد العزى.
(٣) [أخرج الطبراني في الكبير قصة إرضاع حليمة السعدية للنبي ﷺ (٢٤/ ٢١٢- ٢١٥)، والبيهقي في «الدلائل» (١/ ١٣٣- ١٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٢١): رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه إلّا أنه قال: حليمة بنت أبي ذؤيب، ورجالها ثقات] .
[ ١٦٠ ]