ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وقد أرادوا ذلك ليسقفوها، وكانت حجارة بعضها على بعض، من غير طين يركب بعضها على بعض، وكانت فوق القامة، وكان لا بدّ من هدم وبناء جديد «٤» .
فلمّا بلغ البنيان موضع الركن، اختصموا في الحجر الأسود، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الآخرى، وكلّ قبيلة تريد أن يكون لها هذا
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ١٨٩- ١٩٠.
(٢) [أخرج أحمد قصّة زواجه ﷺ من خديجة ﵂ في المسند: (١/ ٣١٢)؛ والطبرانيّ في المعجم الكبير، برقم (١٢٨٣٨) من حديث ابن عباس ﵄، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٢٠): رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر: إسناده فيه نظر.] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ١٩٠، وكتب السّير الآخرى.
(٤) قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على بنائها أن السيل كان أتى من فوق الردم الذي صنعوه فأخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة فأرادوا أن يشيدوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخل إلا من شاؤوا. (اقرأ التفصيل في «عيون الأثر» لابن سيد الناس، ج ١، ص ٥٢) .
[ ١٧٢ ]
الشرف، حتّى آل الأمر إلى الحرب، وكانت تنشب في أهون من هذا بكثير في الجاهلية.
واستعدّوا للقتال، وقرّبت بنو عبد الدّار جفنة مملوءة دما، وتعاقدوا، هم وبنو عديّ، على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدّم في تلك الجفنة. وكانت آية الموت والشرّ.
ومكثت قريش على ذلك أياما، ثمّ اتّفقوا على أنّ أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينهم، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ فلمّا رأوه قالوا:
هذا الأمين رضينا، هذا محمد.
ودعا رسول الله ﷺ بثوب وأخذ الحجر، ووضعه فيه بيده، ثمّ قال:
«لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعا» ففعلوا، حتّى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه «١» .
وهكذا درأ «٢» رسول الله ﷺ الحرب عن قريش، بحكمة ليست فوقها حكمة، وكانت مقدّمة درئه للحروب والشرور عن الشعوب والأمم بعد النبوّة، بحكمته، وتعاليمه، ورفقه، وتلطّفه في الأمور، والإصلاح بين الناس، فيكون رحمة للعالمين كما كان رحمة للمتخاصمين والمتحاربين في قوم بسطاء أمّيين.
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ١٩٢- ١٩٧. [انظر هذه القصّة في «المعجم الأوسط» برقم (٢٤٤٢) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٢٩): رجاله رجال الصحيح، غير عمير بن حفص الضرير، وخالد بن عرعرة، وكلاهما ثقة، وروى القصة أيضا عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ١٠٠- ١٠١) والحاكم (١/ ٤٥٨) والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٦- ٥٧) .] .
(٢) [درأ: أي دفع] .
[ ١٧٣ ]