وفي تلك المواضع الّتي توفّرت فيها المياه، من مطر، وعيون، وآبار، ظهرت الحضارة على شكل قرى ومستوطنات، وأسواق موسميّة، كان لها أثر خطير في حياة العرب عموما، ونشأت مجتمعات، لها طبيعة خاصّة، وشخصيّة مستقلّة، متأثّرة بطبيعة الأرض، وطبيعة الجوّ، وطبيعة الحرف والصّناعات، وطرق العيش الّتي يمارسها هذا المجتمع، فكان في مكّة مجتمع خاصّ، له طابع متميّز، وكذلك لأهل الحيرة ولأهل يثرب، وكان مجتمع اليمن من أغنى المجتمعات العربيّة وأرقاها، لأوضاعه الخاصّة، وتاريخه الحضاريّ القديم، والسّياسيّ الحديث، فتفوّق في إنتاج الغلّة، وتربية الحيوان، واستخراج المعادن، وأقام له قصورا وحصونا، واستورد آلات تساعده في ممارسة الصّناعات، وتيسير الحياة، من العراق وبلاد الشّام، ومن إفريقية.