وكان خليقا بهذا القطر الواسع، الّذي يكاد يكون شبه قارّة، أن تتعدّد فيه اللغات وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل، وبين جنوبيّ الجزيرة وشماليّها، وقلّة اتصال أهل الجنوب بأهل الشّمال، وأهل الشّرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسّلاليّة السائدة عليهم، وتأثّر القبائل المتاخمة للرّوم والفرس بلغاتهم.
وقد كثر عدد اللّغات في أوربة الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة
_________________
(١) يرى بعض المحققين في هذا العصر أن العدنانيين هم أصل العرب، ولبها، والعرب العاربة الأولى، عكس ما يراه ويزعمه أكثر أهل الأخبار: ويقولون: إن كل ما روي من هذا التقسيم لم يرو من النصوص الجاهلية؛ وإنما ورد متواترا من الكتب المدونة في الإسلام، وأكثرها مبنيّ على أقوال الرواة المنتمين إلى الأصول القحطانية اليمنية، والله أعلم.
(٢) البداية والنهاية: لابن كثير، ج ٧، ص ٤٠.
[ ١١٣ ]
هائلة، ولا يزال عدد اللّغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ ١٥ لغة إقليمية، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتّى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمان، أو لغة أجنبية كالإنجليزية.
ولكن امتازت الجزيرة العربية على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، والقحطانيّ منهم والعدنانيّ، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها، وفروقها الإقليميّة الّتي تقتضيها طبيعة اللغات وفلسفتها، وطبيعة الأقاليم والأجواء، وطبيعة الانعزال والانطواء.
فاللغات تختلف في لهجاتها بمسافات، قد تطول وقد تقصر، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهمّ أسباب تيسير مهمّة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة، هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربيّ المبين.