فالدولة الرّومانية الشرقية «١»، ازدادت فيها الأتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضّلون على حكومتهم كلّ حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات، وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد جيستن الأوّل) Justin،I (ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة «٢» - عاصمة المملكة- وأصبح الهمّ الوحيد اكتساب
_________________
(١) الإمبراطورية الرومانية الشرقية هي المعروفة بالإمبراطورية البيزنطية ويعرفها العرب بالروم، وكانت تحكم في العصر الذي نتحدث عنه، دول يونان وبلقان، وآسيا الصغرى؛ وسورية وفلسطين، وحوض البحر الأبيض المتوسط بأسره؛ ومصر، وكل إفريقية الشمالية، وكانت عاصمتها القسطنطينية، وكان ابتداء الإمبراطورية المذكورة سنة ٣٩٥؛ وانتهاؤها بغلبة العثمانيين على القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م.
(٢) تاريخ العالم للمؤرخين) Historian =s History of The World Vol.VII p. ٣٧ (
[ ٦٩ ]
المال من أيّ وجه، ثمّ إنفاقه في التّرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشيّة «١» .
جاء في كتاب «الحضارة ماضيها وحاضرها» تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطيّ من التناقض والاضطراب والهيام بالتمتّع والتسلية، وإنّ وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة، فيقول المؤلّفان الفاضلان:
«كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّين، فقد رسخت النزعة الدينية في أذهانهم، وعمّت الرهبانية، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل العاديّ في البلاد يتدخّل في الأبحاث الدينية العميقة، والجدل البيزنطيّ، ويتشاغل بها.
كما طبعت الحياة العادية العامة بطابع المذهب الباطنيّ، ولكن نرى هؤلاء- في جانب آخر- حريصين أشدّ الحرص على كلّ نوع من أنواع اللهو واللعب، والطّرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتّسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرّجون فيها على مصارعات بين الرّجال والرّجال أحيانا، وبين الرّجال والسّباع أحيانا أخرى.
وكانوا يقسّمون الجماهير في لونين: لون أزرق ولون أخضر، لقد كانوا يحبّون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة تقشعرّ منها الجلود.
وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيئة» «٢» .
_________________
(١) اقرأ كتاب «سقوط دولة روما وانحطاطها» لإدوارد جيبون: ٣- ٥.
(٢) . T.Walter Wallbank and Alastair M.Taylor:Civilisation، Past and Present،) ٤٥٩١ (pp.١٦٢- ٢٦. - الضرر، والإيجاد والإفناء، وانغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكلّ قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل لكلّ بيت صنم خصوصيّ «٤» . وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ لعبادة الله
(٣) [الحلبة: ميدان سباق الخيل] .
(٤) . ١٠١.p (١٩٢١،anooP) I،loV،aidnI udniH laveaideM fo yrotsiH:aydiaV.V.C
(٥) . ٧ -٦.pp (١٩٣٥،egdirbmaC) sessaM eht fo noigileR eht،msiudniH ralupoP:.S.C.I.I.E.I.C،yellaM =O.S.S.L . (٤) اقرأ كتاب «الأصنام» للكلبي؛ ص ٣٣.
[ ٧٠ ]
وحده- وفي فنائها، ثلاثمئة وستّون صنما «١»، وتدرّجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الحجر، من أيّ جنس كان، وكانت لهم آلهة من الملائكة والجنّ والكواكب، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وأنّ الجنّ شركاء الله، فامنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم «٢» .
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح برقم (٤٢٨٧)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، برقم (١٧٨١)، والترمذي في أبواب تفسير القرآن، برقم (٣١٣٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ وأخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا برقم (٣٣٥٢)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب الصلاة في الكعبة برقم (٢٠٢٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄] .
(٢) كتاب الأصنام: ص ٤٤.
[ ٦٧ ]
خريطة الوضع السياسي للجزيرة العربية قبل الإسلام
[ ٦٨ ]
العصر الجاهليّ
إطلالة على البلاد والأمم في القرن السّادس المسيحيّ
هذا شأن الدّيانات التي ظهرت في زمانها الدعوة إلى الله، أمّا البلاد المتمدّنة التي قامت فيها حكومات عظيمة، وشاعت فيها علوم كثيرة، وكانت مهد الحضارة والصناعات والآداب، فقد كانت بلادا مسخت فيها الديانات، وفقدت أصالتها وقوّتها، وفقد المصلحون، وغاب المعلّمون.
١- الإمبراطوريّة الرّومانيّة الشرقيّة:
فالدولة الرّومانية الشرقية «١»، ازدادت فيها الأتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضّلون على حكومتهم كلّ حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات، وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد جيستن الأوّل) Justin،I (ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة «٢» - عاصمة المملكة- وأصبح الهمّ الوحيد اكتساب
_________________
(١) الإمبراطورية الرومانية الشرقية هي المعروفة بالإمبراطورية البيزنطية ويعرفها العرب بالروم، وكانت تحكم في العصر الذي نتحدث عنه، دول يونان وبلقان، وآسيا الصغرى؛ وسورية وفلسطين، وحوض البحر الأبيض المتوسط بأسره؛ ومصر، وكل إفريقية الشمالية، وكانت عاصمتها القسطنطينية، وكان ابتداء الإمبراطورية المذكورة سنة ٣٩٥؛ وانتهاؤها بغلبة العثمانيين على القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م.
(٢) تاريخ العالم للمؤرخين) Historian =s History of The World Vol.VII p. ٣٧ (
[ ٦٩ ]
المال من أيّ وجه، ثمّ إنفاقه في التّرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشيّة «١» .
جاء في كتاب «الحضارة ماضيها وحاضرها» تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطيّ من التناقض والاضطراب والهيام بالتمتّع والتسلية، وإنّ وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة، فيقول المؤلّفان الفاضلان:
«كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّين، فقد رسخت النزعة الدينية في أذهانهم، وعمّت الرهبانية، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل العاديّ في البلاد يتدخّل في الأبحاث الدينية العميقة، والجدل البيزنطيّ، ويتشاغل بها.
كما طبعت الحياة العادية العامة بطابع المذهب الباطنيّ، ولكن نرى هؤلاء- في جانب آخر- حريصين أشدّ الحرص على كلّ نوع من أنواع اللهو واللعب، والطّرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتّسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرّجون فيها على مصارعات بين الرّجال والرّجال أحيانا، وبين الرّجال والسّباع أحيانا أخرى.
وكانوا يقسّمون الجماهير في لونين: لون أزرق ولون أخضر، لقد كانوا يحبّون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة تقشعرّ منها الجلود.
وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيئة» «٢» .
_________________
(١) اقرأ كتاب «سقوط دولة روما وانحطاطها» لإدوارد جيبون: ٣- ٥.
(٢) . .٦٢ -٢٦١.pp (١٩٥٤)،tneserP dna tsaP،noitasiliviC:rolyaT.M riatsalA dna knabllaW retlaW.T -
[ ٧٠ ]
أمّا مصر- إحدى ولايات الدّولة البيزنطية الغنيّة- فكانت عرضة لاضطهاد دينيّ فظيع، واستبداد سياسيّ شنيع، وكان البؤس والشقاء ممّا كانت تعانيه مصر، التي كانت مصدرا كبيرا لرخاء الدولة وغناها، وقد اتخذها الروم شاة حلوبا يحسنون حلبها، ويسيئون علفها «١» .
أما سورية- ولاية الإمبراطورية البيزنطيّة الآخرى- فكانت مطيّة المطامع الرومانيّة، وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلّا على القوّة، ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيرا ما كان السّوريّون يبيعون أبناءهم ليوفّوا ما كانت عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق «٢» .