أمّا المسيحيّة فقد امتحنت بتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، ووثنيّة
_________________
(١) .Jewish Encyclopedia،VOL -XII،p. ٥٦٨ -٦٩ (١)
(٢) كلمة تلمود معناها كتاب تعليم ديانة اليهود وآدابهم؛ وهي مجموعة حواش وشروح لكتاب «المشنا»: «الشريعة» لعلماء اليهود في عصور مختلفة.
(٣) اقرأ للتفصيل «اليهودي على حسب التلمود» «للدكتور روهلنج» وترجمته العربية في «الكنز المرصود في قواعد التلمود» للدكتور يوسف حنا نصر الله (من الفرنسية) .
[ ٦٠ ]
الرّومان المتنصّرين «١»، منذ عصرها الأول، وأصبح كلّ ذلك ركاما، دفنت تحته تعاليم المسيح البسيطة، واختفى نور التّوحيد وإخلاص العبادة لله وراء هذه السّحب الكثيفة.
يتحدّث كاتب مسيحيّ فاضل عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحيّ، منذ أواخر القرن الرابع الميلاديّ، فيقول:
«تغلغل الاعتقاد بأنّ الإله الواحد مركبّ من ثلاثة أقانيم في أحشاء حياة العالم المسيحيّ وفكره، منذ ربع القرن الرابع الأخير، ودامت كعقيدة رسميّة مسلّمة، عليها الاعتماد في جميع أنحاء العالم المسيحيّ، ولم يرفع الستار عن تطوّر عقيدة التثليث وسرّها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلاديّ» «٢» .
ويتحدّث مؤرّخ مسيحيّ معاصر عن ظهور الوثنية في المجتمع المسيحيّ في مظاهر مختلفة وألوان شتى، وتفنّن المسيحيون في اقتباس الشعائر والعادات والأعياد والأبطال الوثنية من أمم وديانات عريقة في الشرك بحكم التقليد أو الإعجاب أو الجهل، جاء في «تاريخ المسيحية في ضوء العلم المعاصر»:
«لقد انتهت الوثنية، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس واستكنّ كلّ شيء فيها باسم المسيحية وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم وتخلوا عنهم أخذوا شهيدا من شهدائهم، ولقبوه
_________________
(١) راجع كتاب «الصراع بين الدين والعلم» للمؤلف الأوربي الشهير «درابر «Draper ص ٤٠ ٤١.
(٢) ملخص ما جاء في دائرة المعارف الكاثوليكية الجديدة، مقال التثليث المقدس، ج ١٤؛ ص ٢٩٥.
[ ٦١ ]
بأوصاف الآلهة، ثمّ صنعوا له تمثالا، وهكذا انتقل هذا الشرك وعبادة الأصنام إلى هؤلاء الشّهداء المحليين.
ولم ينته هذا القرن حتى عمّت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أنّ الأولياء يحملون صفات الألوهية، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقا وسطا بين الله والإنسان يحمل صفة الألوهية على أساس عقائد الأريسيين، وأصبحوا رمزا لقداسة القرون الوسطى وورعها وطهرها، وغيّرت أسماء الأعياد الوثنية بأسماء جديدة، حتى تحوّل في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح» «١» .
وجاء القرن السادس المسيحيّ، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق وبين نصارى مصر، حول حقيقة المسيح وطبيعته، تحولت بها المدارس والكنائس والبيوت إلى معسكرات متنافسة يكفّر بعضها بعضا، ويقتل بعضها بعضا، كأنها حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين «٢»، فأصبح العالم المسيحيّ في شغل بنفسه عن محاربة الفساد، وإصلاح الحال، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح للإنسانية.