أمّا المجوس فقد عرفوا من قديم الزّمان بعبادة العناصر الطبيعية وأعظمها النار، وقد عكفوا على عبادتها أخيرا، يبنون لها هياكل ومعابد، وانتشرت بيوت النار هذه في طول البلاد وعرضها، وكانت لها آداب وشرائع دقيقة،
_________________
(١) راجع Rev.James Houston Bzxter The History of Christianity In The Light of Modern Knowledge،) Glasgow، ٩٥٩١ (p.٧٠٤.
(٢) راجع «فتح العرب لمصر» ل «ألفردبتلر» تعريب محمد فريد أبو حديد، ص ٣٧، ٣٨، ٤٧.
[ ٦٢ ]
وانقرضت كلّ عقيدة وديانة غير عبادة النار وتقديس الشمس، وأصبحت الديانة عندهم عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصّة، أمّا خارج المعابد فكانوا أحرارا، يسيرون على
هواهم، وما تملي عليهم نفوسهم، وأصبح المجوس لا فرق بينهم وبين من لا دين لهم ولا خلاق، في الأعمال والأخلاق «١» .
يصف مؤلّف «إيران في عهد السّاسانيّين» الدّانماركيّ الأستاذ «آرتهر كرستين سين» طبقة رؤساء الدّين ووظائفهم فيقول:
«كان واجبا على هؤلاء الموظّفين أن يعبدوا الشمس أربع مرات في اليوم، ويضاف إلى ذلك عبادة القمر والنار والماء، وكانوا مكلّفين بأدعية خاصّة، عند النوم والانتباه والاغتسال ولبس الزنّار والأكل والعطس وحلق الشعر وقلم الأظفار، وقضاء الحاجة وإيقاد السّراج، وكانوا مأمورين بألّا يدعوا النار تنطفىء، وألا تمسّ النار والماء بعضهما بعضا، وألا يدعوا المعدن يصدأ، لأنّ المعادن عندهم مقدّسة» «٢» .
وكان أهل إيران يستقبلون في صلاتهم النار، وقد حلف «يزدجرد» - آخر الملوك السّاسانيين- بالشمس مرة، وقال: «أحلف بالشّمس التي هي الإله الأكبر» وقد كلّف التائبون عن المسيحيّة عبادة الشمس إظهارا لصدقهم «٣» .
_________________
(١) اقرأ كتاب «إيران في عهد الساسانيين» للبروفيسور «آرتهر كرتسن سين» أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة «كوبنهاجن» بالدانمارك، المتخصص في تاريخ إيران، و«تاريخ إيران» تأليف «شاهين مكاريوس» المجوسي.
(٢) إيران في عهد الساسانيين: ص ١٥٥.
(٣) المصدر السابق: ص ١٨٦- ١٨٧.
[ ٦٣ ]
وقد دانوا بالثنويّة في كلّ عصر وأصبح ذلك شعارا لهم، وآمنوا بإلهين اثنين أحدهما النور أو إله الخير، ويسمّونه «آهور مزدا» أو «يزدان» والثاني الظلام أو إله الشر، وهو «أهرمن» ولا يزال الصّراع بينهما قائما والحرب دائمة «١» .
يذكر المؤرّخون للدّيانة الإيرانية مجموعة أساطير متصلة بالآلهة) Mythology (لا تقلّ في غرابتها وتفاصيلها الدقيقة عن الميثولوجيا الإغريقيّة أو الهنديّة «٢» .