أمّا الهند التي برزت في العصر القديم في العلوم الرياضيّة وعلم الفلك والطبّ والتعمّق في الفلسفة، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين لها على أنّ أحطّ أدوارها ديانة، وخلقا، واجتماعا، ذلك العهد الذي يبتدىء من مستهلّ القرن السادس الميلاديّ «٣»، فانتشرت الخلاعة حتّى في المعابد وأصبحت لا عيب فيها، لأنّ الدين قد أضفى عليها لونا من القدس والتعبّد «٤» .
وكانت المرأة لا قيمة لها ولا عصمة، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار «٥»، وإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج ولا تستحق احتراما، وانتشرت عادة إحراق الأيامى نفوسهن على وفاة أزواجهن، خاصّة في الطبقات الشريفة والأرستقراطيّة إظهارا للوفاء، وفرارا من الشقاء، وتسمّى
_________________
(١) إيران في عهد الساسانيين: ص ٦٨١.
(٢) راجع الباب الخامس من كتاب «إيران في عهد الساسانيين» (مملكة الشرق ومملكة الغرب) ص ٢٦٩- ٣٣٣.
(٣) راجع «الهند القديمة» ج ٣، لمؤلفه آرسي، دت) R.C.Dutt (
(٤) ستيارته بركاش لديانند سرسوتي: ص ٣٤٤.
(٥) اقرأ استهلال قصة مهابهارت (الملحمة الهندية الكبرى) .
[ ٧٥ ]
هذه العادة ب «ستّي» ولم تزل زوالا كليا إلا بعد الاحتلال الإنجليزيّ «١» .
وامتازت الهند من بين جاراتها وأقطار العالم بالتفاوت الفاحش بين طبقات الشعب، والامتياز بين الإنسان والإنسان، وكان نظاما قاسيا لا هوادة فيه ولا مرونة، مدعما بالدين والعقيدة، خاضعا لمصلحة الآريّين المحتلّين، والبراهمة المحتكرين للديانة والقداسة، قائما على أساس الحرف والصنائع وتوارثها، والعنصرية والسّلالية، وكان ذلك تابعا لقانون مدنيّ سياسيّ دينيّ، وضعه المشرّعون الهنديّون الذين كانت لهم صفة دينية، أصبح القانون العام للمجتمع ودستور الحياة، وهو يقسّم سكان الهند في أربع طبقات:
(١) طبقة الكهنة ورجال الدين، وهم «البراهمة» .
(٢) ورجال الحرب والجندية وهم «شتري» .
(٣) ورجال الفلاحة والتجارة وهم «ويش» .
(٤) ورجال الخدمة وهم «شودر» وهم أحطّ الطبقات، فقد خلقهم خالق الكون من أرجله، وليس لهم إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث وإراحتها.
وقد منح هذا القانون البراهمة مركزا ومكانة لا يشاركهم فيها أحد، والبرهميّ رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز فرض جباية عليه، ولا يعاقب بالقتل في حال من الأحوال.
أمّا «شودر» فليس لهم أن يقتنوا مالا، أو يدّخروا كنزا، أو يجالسوا برهميّا، أو يمسّوه بيدهم، أو يتعلّموا الكتب المقدّسة «٢» .
_________________
(١) اقرأ رحلة الرحالة الفرنسي برنير وتاريخ الراجوات والأمراء في القرون الوسطى.
(٢) راجع للتفصيل القانون المدني الاجتماعي الهندي المسمّى ب «منو شاستر» الأبواب: ١- ٢- ٨- ٩- ١٠- ١١.
[ ٧٦ ]
وكانت الهند في حالة فوضى وتمزّق تحكمها إمارات وحكومات تعدّ بالمئات، تضعفها حروب ومنافسات، ويسود الاضطراب وسوء الإدارة واختلال الأمن وإهمال شؤون الرعيّة والاستبداد.
وكانت تعيش في عزلة عن العالم، يسيطر عليها الجمود، والتزمّت، والتطرّف، في العادات والتقاليد، والتفاوت الطبقيّ، والتعصّب الدمويّ والسّلاليّ.
يتحدّث مؤرّخ هندوكيّ أستاذ التاريخ في إحدى جامعات الهند، عن عصر سابق لدخول الإسلام في الهند، فيقول:
«كان أهل الهند منقطعين عن الدنيا، منطوين على أنفسهم، لا خبرة عندهم بالأوضاع العالميّة، وهذا الجهل أضعف موقفهم، فنشأ فيهم الجمود، وعمّت فيهم أمارات الانحطاط والتّدهور، كان الأدب في هذه الفترة بلا روح، وهكذا كان الشأن في الفنّ المعماريّ، والتصوير، والفنون الجميلة الآخرى» .
«كان المجتمع الهنديّ راكدا جامدا، كان هناك تفاوت عظيم بين الطبقات، وتمييز معيب بين أسرة وأسرة، وكانوا لا يسمحون بزواج الأيامى ويشدّدون على أنفسهم في أمور الطعام والشراب.
أمّا المنبوذون فكانوا يعيشون- مضطرّين- خارج بلدهم ومدينتهم» «١» .