أمّا العرب فساءت أخلاقهم، فأولعوا بالخمر والقمار، وبلغت بهم القساوة والحميّة المزعومة إلى وأد البنات، وشاعت فيهم الغارات، وقطع الطّرق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة، فكانت تورث كما يورث المتاع
_________________
(١) تاريخ الفلسفة: للبروفيسورثيلي.) Thilly (
(٢) اقرأ للتفصيل كتاب «تاريخ الأخلاق الأوربية» لمؤلفه الشهير) Lecky (ج ٢، باب «من قسطنطين إلى شارلمان» . The Making of Humanity،p. ٤٦١. (٣)
[ ٧٨ ]
أو الدابّة، ومن المأكولات ما هو خاصّ بالذكور، محرّم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوّج ما يشاء من النّساء من غير تحديد.
وكانت العصبية القبليّة والدمويّة شديدة جامحة، وأغرموا بالحرب، حتى صارت مسلاة لهم وملهى وهواية، ينتهزون للتسلية وقضاء هوى النّفس نشوب حرب لها مسوّغ، أو لا مسوّغ لها، يدلّ على ذلك ما قاله الشاعر الجاهليّ (الرقّاد بن المنذر بن ضرار الضبّي):
إذا المهرة الشّقراء أدرك ظهرها فشبّ الإله الحرب بين القبائل
وأوقد نارا بينهم بضرامها لها وهج للمصطلي غير طائل «١»
ويقول (عمير التّغلبيّ) المعروف بالقطامي، وهو يعبّر عن رغبة أهل الجاهلية في القتال، وتحيّن الفرص له:
وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلّا أخانا «٢»
وهانت عليهم إراقة الدّماء، فتثيرها حادثة تافهة، وتدوم الحرب أربعين سنة، يقتل فيها ألوف من الناس «٣» .
أمّا من جهة الأخلاق، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصّلة، وأسبابها فاشية.
فكان شرب الخمر واسع الشّيوع، شديد الرّسوخ فيهم، تحدّث عن معاقرتهم والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبا كبيرا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسماؤها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق
_________________
(١) ديوان الحماسة: بشرح الأعلم: ص ٢٧١.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٧٧.
(٣) راجع الشعر الجاهلي والكتب التي ألفت في أيام العرب وأخبارهم.
[ ٧٩ ]
والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب «١»، وكانت حوانيت الخمّارين مفتوحة دائما يرفرف عليها علم يسمّى (غاية) .
قال لبيد بن ربيعة العامري «٢»:
قد بتّ سامرها وغاية تاجر وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها
وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التّجارة مرادفة لبيع الخمر، كما قال لبيد: و(غاية تاجر) .
وقال عمرو بن قميئة «٣»:
إذا أسحب الرّيط «٤» والمروط «٥» إلى أدنى تجاري وأنفض اللّمما «٦»
وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهليّة، قال الشاعر الجاهليّ «٧»:
أعيّرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا بن ريطة ظاهر
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونقامر
وكان عدم المشاركة في مجالس القمار عارا. يقول الشاعر:
وإذا هلكت فلا تريدي عاجزا غسّا ولا برما ولا معزالا
قال قتادة: كان الرّجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزينا
_________________
(١) اقرأ كتاب المخصص: لابن سيده: ١/ ٨٢- ١٠١.
(٢) ديوانه: ص ٣١٤.
(٣) ديوان الحماسة: ص ٦٨٢.
(٤) [الرّيط، جمع الرّيطة: وهو كلّ ثوب لم يلفّق (باخر) كالرّداء] .
(٥) [المروط، جمع المرط: وهو كساء خزّ معلم الطّرفين، أو ملحفة يؤتزر بها] .
(٦) [اللّمم، جمع اللّمّة: وهي الشعرة التي تلمّ بالمنكب] .
(٧) ديوان الحماسة: ص ٢٥٤، وهو لسبرة بن عمرو.
[ ٨٠ ]
سليبا، ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضا «١» .
وكان أهل الحجاز: العرب واليهود، يتعاطون الرّبا، وكان فاشيا فيهم، وكانوا يجحفون فيه، ويبلغون إلى حدّ الغلوّ والقسوة، قال الطّبريّ:
«كان الرّبا في الجاهلية في التضعيف وفي السّنين، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلّا حوّله إلى السّن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض «٢» يجعلها ابنة لبون «٣» في السنة الثانية، ثم حقّة «٤»، ثم جذعة «٥»، ثم رباعيا «٦» هكذا إلى فوق.
وفي العين «٧» يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، وإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مئة، فيجعلها إلى القابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة يضعفها له كلّ سنة أو يقضيه» «٨» .
_________________
(١) تفسير الطبري، تفسير آية: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ [المائدة: ٩١] .
(٢) [ابنة مخاض أو ابن مخاض: ولد النّاقة الذي دخل في السنة الثانية، والأنثى بنت مخاض] .
(٣) [ابنة لبون أو ابن لبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة، سمّي بذلك لأنّ أمّة ولدت غيره فصار لها لبن] .
(٤) [الحقّ من الإبل: ما دخل في السنة الرابعة، وأمكن ركوبه والحمل عليه، وسمّي بذلك لأنّه استحقّ الركوب والتحميل] .
(٥) [الجذع: هو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة أو من الضّأن ما تمّت له سنة] .
(٦) [رباعيّا: هو الذي يلغي رباعيته، (والرّباعية: السّنّ بين الثنية والنّاب): الإبل يربع في السنة السابعة، والبقر والخيل في الخامسة، والغنم في السنة الرابعة] .
(٧) [العين: الذهب] .
(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٥٩.
[ ٨١ ]
وقد رسخ الرّبا فيهم، وجرى منهم مجرى الأمور الطبيعية التي صاروا لا يفرّقون بينه وبين التّجارة الطبيعية، وقالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] .
وقال الطّبري: «إنّ الذين كانوا يأكلون الرّبا من أهل الجاهلية، كان إذا حلّ مال أحدهم على غريمه، يقول الغريم لغريم الحقّ: زدني في الأجل وأزيدك في مالك، فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحلّ، فإذا قيل لهما ذلك، قالا: سواء علينا زدنا في أوّل البيع أو عند محلّ المال» «١» .
ولم يكن الزّنى نادرا، وكان غير مستنكر استنكارا شديدا، فكان من العادات أن يتّخذ الرجل خليلات، وتتّخذ النساء أخلّاء بدون عقد، وقد كانوا يكرهون بعض النساء على الزّنى.
قال ابن عبّاس: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزّنى يأخذون أجورهم «٢» .
وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، تؤكل حقوقها، وتبتزّ أموالها، وتحرم إرثها، وتعضل بعد الطّلاق، أو وفاة الزّوج من أن تنكح زوجا ترضاه «٣»، وتورث كما يورث المتاع أو الدّابة «٤» .
وقد بلغت كراهة البنات إلى حدّ الوأد، ذكر الهيثم بن عديّ- على ما حكاه عنه الميدانيّ- أنّ الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، فكان
_________________
(١) تفسير الطبري: ٤/ ٦٩.
(٢) المصدر السابق: ١٨/ ٤٠١.
(٣) قال تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٢] .
(٤) قال تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩] .
[ ٨٢ ]
يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد، منهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة، ومخافة لحوق العار بهم من أجلهنّ، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤما منهم بهذه الصّفات.
وكانوا يقتلون البنات، ويئدونهنّ بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخّر وأد الموءودة لسفر الوالد أو شغله، فلا يئدها إلّا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق «١» .
ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب، فكان يشتريهم بعض سراة العرب وأشرافهم «٢» فصعصعة ابن ناجية يقول: «جاء الإسلام وقد فديت ثلاثمئة موءودة» «٣» .
ومنهم من كان ينذر- إذا بلغ بنوه عشرة- نحر واحدا منهم، كما فعل عبد المطّلب.
ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله- سبحانه عمّا يقولون- فألحقوا البنات به تعالى «٤» .