قَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التواب الرَّحِيم " (٢) قَالَ: كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَلَمَّا حَضَرُوا رُجُوعُهُ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ.
فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: " مَنْ هَؤُلَاءِ؟ " قَالُوا: أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، حَتَّى تُطْلِقَهُمْ وَتَعْذُرَهُمْ.
قَالَ: " وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ
_________________
(١) غير ا: ان لَا أكون. وَلَا هُنَا زَائِدَة. أَي أَن أكون.
(٢) سُورَة التَّوْبَة. (*)
[ ٤ / ٤٨ ]
الله عزوجل هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ".
فَلَمَّا أَنْ بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ الله هُوَ الذى يطلقنا.
فَأنْزل الله عزوجل: " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ " الْآيَةَ.
" وَعَسَى " مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ.
فَلَمَّا أُنْزِلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ، فَجَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا.
فَقَالَ: " مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ ".
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم إِن الله سميع عليم " إِلَى قَوْلِهِ: " وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم ".
وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَرْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي، فَأُرْجِئُوا حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِي والمهاجرين والانصار الَّذين اتَّبعُوهُ " إِلَى آخرهَا.
وَكَذَا رَوَاهُ عَطِيَّة بن سعيد الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ أَبِي لُبَابَةَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَرَبْطِهِ نَفْسَهُ حَتَّى تِيبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَرَبَطَ نَفْسَهُ أَيْضًا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ صَدَقَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ ".
قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: وَفِيهِ نَزَلَ: " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ " الْآيَةَ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ثُمَّ لَمْ يُرَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرٌ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ لَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ بَقِيَّةَ أَصْحَابِهِ، واقتصروا على ذكره لانه كَانَ كَالزَّعِيمِ لَهُمْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٤٩ ]
وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُ فَلْيَقُمْ، قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ " حَتَّى عَدَّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ، " إِنَّ فِيكُمْ - أَوْ إِنَّ مِنْكُمْ - مُنَافِقِينَ فَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ".
قَالَ: فَمَرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ مُتَقَنِّعٍ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: بُعْدًا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ.
قُلْتُ: كَانَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: مَأْمُورُونَ مَأْجُورُونَ، كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.
وَمَعْذُورُونَ، وَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَرْضَى، وَالْمُقِلُّونَ وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ.
وَعُصَاةٌ مُذْنِبُونَ وَهُمُ الثَّلَاثَةُ، وَأَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ الْمَذْكُورُونَ.
وَآخَرُونَ مَلُومُونَ مَذْمُومُونَ، وهم المُنَافِقُونَ.
[ ٤ / ٥٠ ]