فَيَنْبَغِي تَأْخِيرُهَا إِلَى أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ فِي صَفَرٍ مِنْهَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَجَتْ عَلَى نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَذَرَتْ نَحْرَهَا لِنَجَاتِهَا عَلَيْهَا فَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا.
وَقَدْ جَاءَ مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عقيل وَكَانَت من سوابق الْحَاج فَأُخِذَتِ الْعَضْبَاءُ مَعَهُ.
قَالَ: فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي وَثَاقٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ تَأْخُذُونِي وَتَأْخُذُونَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ.
قَالَ: وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ فِيمَا قَالَ: [إِنِّي] مُسْلِمٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ.
قَالَ: وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَإِنِّي ظَمْآنُ فَاسْقِنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ حَاجَتُكَ.
ثُمَّ فُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ وَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ فَذَهَبُوا بِهِ، وَكَانَت العضباء فِيهِ، وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَكَانُوا إِذَا نزلُوا أراحوا إبِله بِأَفْنِيَتِهِمْ.
قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ مَا نَوَّمُوا فَجَعَلَتْ كُلَّمَا أَتَتْ عَلَى بَعِيرٍ رَغَا حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ، فَأَتَتْ
[ ٣ / ٢٩٣ ]
عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ (١) فَرَكِبَتْهَا ثُمَّ وَجَّهَتْهَا قِبَلَ الْمَدِينَةِ.
قَالَ: وَنَذَرَتْ إِنِ اللَّهُ أَنْجَاهَا عَلَيْهَا
لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ عُرِفَتِ النَّاقَةُ فَقِيلَ: نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ: وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَذْرِهَا أَوْ أَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: بئس مَا جزيتيها أَوْ بِئْسَ مَا جَزَتْهَا أَنْ أَنْجَاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيد.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: لَوْلَا الَّذِي لَاقَتْ وَمَسَّ نُسُورَهَا * بِجَنُوبِ سَايَةَ أَمْسِ فِي التَّقْوَادِ (٢) لَلَقِينَكُمْ يَحْمِلْنَ كُلَّ مُدَجَّجٍ * حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدِ الْأَجْدَادِ وَلَسَرَّ أَوْلَادَ اللَّقِيطَةِ أَنَّنَا * سِلْمٌ غَدَاةَ فَوَارِسِ الْمِقْدَادِ كُنَّا ثَمَانِيَةً وَكَانُوا جَحْفَلًا * لَجِبًا فَشُكُّوا بِالرِّمَاحِ بَدَادِ (٣) كُنَّا مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ * وَيُقَدِّمُونَ عِنَانَ كُلِّ جَوَادِ كَلَّا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنًى * يَقْطَعْنَ عُرْضَ مَخَارِمِ الاطواد (٤) حَتَّى نبيل الْخَيل فِي عرصاتكم * ونؤوب بالملكات والاولاد (٥)
_________________
(١) المجرسة: المدربة فِي الرّكُوب وَالسير.
(٢) لاقت: يُرِيد الْخَيل. ونسورها: النسْر كالنواة فِي بطن الْحَافِر، وَفِي الْفرس عشرُون عضوا كل عُضْو مِنْهَا باسم طَائِر. وساية: مَوضِع.
(٣) الجحفل: الْجَيْش الْكثير. واللجب: ذُو الجلبة والصياح. وبداد: مُتَفَرّقين.
(٤) المخارم: الطّرق. والاطواد: الْجبَال.
(٥) نبيل: نَجْعَلهَا تبول. والعرصات: جمع عَرصَة وَهِي الْبقْعَة الواسعة بَين الدّور. والملكات: النِّسَاء. (*)
[ ٣ / ٢٩٤ ]
رَهْوًا بِكُلِّ مُقَلَّصٍ وَطِمِرَّةٍ * فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ عَطَفْنَ وَوَادِ (١) أَفْنَى دَوَابِرَهَا وَلَاحَ مُتُونَهَا * يَوْمٌ تُقَادُ بِهِ وَيَوْمُ طِرَادِ فَكَذَاكَ إِنَّ جِيَادَنَا مَلْبُونَةٌ * وَالْحَرْبُ مُشْعَلَةٌ بِرِيحِ غَوَادِ (٢) وَسُيُوفُنَا بِيضُ الْحَدَائِدِ تَجْتَلِي * جُنَنَ الْحَدِيدِ وَهَامَةَ الْمُرْتَادِ أَخَذَ الْإِلَهُ عَلَيْهِمُ لِحَرَامِهِ * وَلِعِزَّةِ الرَّحْمَنِ بِالْأَسْدَادِ كَانُوا بِدَارٍ نَاعِمِينَ فَبُدِّلُوا * أَيَّامَ ذِي قَرَدٍ وُجُوهَ عِنَادِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَغَضِبَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ أَمِيرُ سَرِيَّةِ الْفَوَارِسِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَسَّانَ وَحَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ أَبَدًا، وَقَالَ: انْطَلَقَ إِلَى خَيْلِي وَفَوَارِسِي فَجَعَلَهَا لِلْمِقْدَادِ.
فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ حَسَّانُ بِأَنَّهُ وَافَقَ الرَّوِيُّ اسْمَ الْمِقْدَادِ! ثُمَّ قَالَ أَبْيَاتًا يَمْدَحُ بِهَا سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْأَشَدَّ الْجَلْدَا * أَوْ ذَا غَنَاءٍ فَعَلَيْكُمْ سَعْدَا سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ لَا يُهَدُّ هَدَّا قَالَ: فَلَمْ تَقَعْ مِنْهُ بِمَوْقِعٍ.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ: أَظَنَّ عُيَيْنَةُ إِذْ زَارَهَا * بِأَنْ سَوْفَ يَهْدِمُ فِيهَا قُصُورَا فَأُكْذِبْتَ مَا كُنْتَ صَدَّقْتَهُ * وَقُلْتُمْ سَنَغْنَمُ أَمْرًا كَبِيرَا فَعِفْتَ الْمَدِينَةَ إِذْ زُرْتَهَا * وَآنَسْتَ لِلْأُسْدِ فِيهَا زَئِيرَا وَوَلَّوْا سِرَاعًا كَشَدِّ النَّعَامِ * وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطٍّ حَصِيرَا (٣) أَمِيرٌ عَلَيْنَا رَسُول المليك * أحبب بِذَاكَ إِلَيْنَا أَمِيرا
_________________
(١) رهوا: سَرِيعا. والمقلص: المشمر. والطمرة: الْفرس السَّرِيع.
(٢) ملبونة: تسقى اللَّبن.
(٣) الملط: النَّاقة، من قَوْلهم: ألطت النَّاقة بذنبها إِذا أدخلته بَين رِجْلَيْهَا. والحصير مَا يكنف بِهِ حول الابل من عيدَان الحظيرة. (*)
[ ٣ / ٢٩٥ ]
رَسُول يصدق مَا جَاءَهُ * ويتلوا كِتَابًا مُضِيئًا مُنِيرَا وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ يَمْدَحُ الْفُرْسَانَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَيَحْسَبُ أَوْلَادُ اللَّقِيطَةِ أَنَّنَا * عَلَى الْخَيْلِ لَسْنَا مِثْلَهُمْ فِي الْفَوَارِسِ وَإِنَّا أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً * وَلَا نَنْثَنِي عِنْدَ الرِّمَاحِ الْمَدَاعِسِ (١) وَإِنَّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذرى * ونضرب رَأس الابلج المتشاوس (٢) نرد كماة المعلمين إِذا انتحوا * بِضَرْبٍ يُسَلِّي نَخْوَةَ الْمُتَقَاعِسِ (٣) بِكُلِّ فَتًى حَامِي الْحَقِيقَة ماجد * كريم كسرحان العضاه مخالس (٤) يذودون عَن أحسابهم وبلادهم * بِبِيضٍ تَقُدُّ الْهَامَ تَحْتَ الْقَوَانِسِ (٥) فَسَائِلْ بَنِي بَدْرٍ إِذَا مَا لَقِيتَهُمْ * بِمَا فَعَلَ الْإِخْوَانُ يَوْمَ التَّمَارُسِ (٦) إِذَا مَا خَرَجْتُمْ فَاصْدُقُوا مَنْ لَقِيتُمُ * وَلَا تَكْتُمُوا أَخْبَارَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ وَقُولُوا زَلَلْنَا عَنْ مَخَالِبِ خَادِرٍ * بِهِ وَحَرٌ فِي الصَّدْر مَا لم يمارس (٧)
_________________
(١) المداعس: الرماح الَّتِي لَا تنثني.
(٢) القمع: جمع قمعة وَهِي أَعلَى سَنَام الْبَعِير. والابلج: الْمشرق. والمتشاوس: المتكبر. وَفِي ابْن هِشَام: الابلخ.
(٣) الكماة: الفوارس. والمتقاعس: الَّذِي لَا يلين.
(٤) السرحان: الذِّئْب. والعضاه: شجر ضخم.
(٥) القوانس: أعالي بيض الْحَدِيد.
(٦) التمارس: المجالدة فِي الْحَرْب.
(٧) الخادر: الاسد الَّذِي يلْزم أجمته. والوحر: الحقد. (*)
[ ٣ / ٢٩٦ ]
غَزْوَة بني المصطلق من خُزَاعَة قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي
غَزْوَة الْمُريْسِيع.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهَا كَانَت فِي سنة أَربع.
وَالَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ لِلَيْلَتَيْنِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار، بعد مَا أَوْرَدَ قِصَّةَ ذِي قَرَدٍ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْضَ جُمَادَى الْآخِرَة وَرَجَب، ثُمَّ غَزَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَيُقَالُ نُمَيْلَةُ بن عبد الله اللَّيْثِيّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بن قَتَادَة وَعبد الله بن أبي بكر وَمُحَمّد بن يحيى ابْن حِبَّانَ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي المصطق قَالُوا: بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ وَقَائِدُهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ، أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذَا، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إِلَى السَّاحِلِ، فَتَزَاحَمَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ اللَّهُ بني المصطلق وَقتل من قتل مِنْهُم، وَنقل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَفَاءَهُمْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَيْلَتَيْنِ مضتا مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ بَنِي مُدْلِجٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ دَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَيُقَالُ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، ثُمَّ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ
[ ٣ / ٢٩٧ ]
الْخَطَّابِ فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنْ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
تَمْنَعُوا بِهَا أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ.
فَأَبَوْا فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَمَا أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَأُسِرَ سَائِرُهُمْ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ فَقَالَ: قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وهم غَارونَ فِي أنعامهم تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ - أَحْسَبُهُ قَالَ - جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ.
وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِذَلِكَ، وَكَانَ بذلك الْجَيْشِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ خَطَأً.
* * * وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَخَاهُ مِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ فَطَلَبَ دِيَةَ أَخِيهِ هِشَامٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ قُتِلَ خَطَأً، فَأَعْطَاهُ دِيَتَهُ، ثُمَّ مَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ مُرْتَدًّا إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا * يضرج ثوبيه دِمَاء الأخادع (١) وَكَانَت هموم النَّفس مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ * تُلِمُّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي * وَكُنْتُ إِلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ * سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ (٢) قُلْتُ: وَلِهَذَا كَانَ مِقْيَسٌ هَذَا مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وم الْفَتْحِ دِمَاءَهُمْ وَإِنْ وُجِدُوا مُعَلَّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
_________________
(١) الاخادع: جمع أخدع، وَهُوَ عرق فِي المحجمتين، وَهُوَ شُعْبَة من الوريد.
(٢) فارع: حصن بِالْمَدِينَةِ. (*)
[ ٣ / ٢٩٨ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةُ النَّاسِ، وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ، فَازْدَحَمَ جَهْجَاهُ وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ:
يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ.
وَصَرَخَ جَهْجَاهُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ.
فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ غُلَامٌ حَدَثٌ فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا؟ وَاللَّهِ مَا أَعُدُّنَا وَجَلَابِيبَ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: " سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! " أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ دَارِكِمْ.
فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَمَشَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مُرْ بِهِ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، لَا وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ.
وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فِيهَا.
فَارْتَحَلَ النَّاسُ.
وَقَدْ مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ بَلَّغَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قُلْتُ مَا قَالَ وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهِ.
وَكَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ أَوْهَمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ الرَّجُلُ.
حَدَبًا عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَدَفْعًا عَنْهُ.
فَلَمَّا اسْتَقَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَارَ لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ
[ ٣ / ٢٩٩ ]
فِي مِثْلِهَا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوْ مَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: أَيُّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَخْرَجَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
قَالَ: فَأَنْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْرِجُهُ إِنْ شِئْتَ،
هُوَ وَاللَّهِ الذَّلِيلُ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْفُقْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ وَإِنَّ قَوْمَهُ لِيَنْظِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا.
ثُمَّ مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَى وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ فَوَقَعُوا نِيَامًا.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ يُقَالُ لَهُ بَقْعَاءُ.
فَلَمَّا رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَآذَتْهُمْ وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَخَوَّفُوهَا فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ.
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاء الْيَهُود وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَالْوَاقِدِيُّ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الَّذِي مَاتَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
قَالَ: هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ: هَذِهِ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ.
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَقَالَ:
[ ٣ / ٣٠٠ ]
هَذَا الَّذِي أَوْفَى لِلَّهِ بِأُذُنِهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى تَفْسِيرِهَا بِتَمَامِهَا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَسَرَدْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ أَوْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتُبَهُ هَاهُنَا فَلْيَطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيمَا بلغك عَنهُ، فَإِن كنت فَاعِلا فَمر لي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ بِهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا.
وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الَّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ: كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ قُلْتَ لِيَ لَأَرْعَدَتْ لَهُ آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي.
وَقَدْ ذَكَرَ عِكْرِمَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ وَقَفَ لِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ عِنْدَ مَضِيقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: قِفْ فَوَاللَّهِ لَا تَدْخُلْهَا حَتَّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ.
فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَرْسَلَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةِ.
[ ٣ / ٣٠١ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ نَاسٌ، وَقَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ: مَالِكًا وَابْنَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ أَمِتْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابَ مِنْهُمْ سَبْيًا كَثِيرًا فَقَسَمَهُمْ فِي الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَّة بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزُوبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ، فَسَأَلْنَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ: " مَا عَلَيْكُم أَلا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة إِلَّا كائنة " وَهَكَذَا رَوَاهُ [مُسلم] .
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنَ السَّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السهْم لِثَابِت ابْن قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَّاحَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِتَسْتَعِينَهُ فِي كِتَابَتِهَا.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَكَرِهْتُهَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَرَى مِنْهَا مَا رَأَيْتُ.
فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شماس
[ ٣ / ٣٠٢ ]
أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلَى كِتَابَتِي.
قَالَ: فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي عَنْكِ كِتَابَكِ وأتزوجك.
قَالَت: نعم يَا رَسُول الله قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ.
قَالَتْ: فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أعلم امْرَأَة أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ الْإِفْكِ بِتَمَامِهَا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ حَرَّرْتُ طُرُقَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ، فَلْيُلْحَقْ بِكَمَالِهِ إِلَى هَاهُنَا وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا حَرَامٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: رَأَيْتُ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثِ لَيَالٍ كَأَنَّ الْقَمَرَ يَسِيرُ مِنْ يَثْرِبَ حَتَّى وَقَعَ فِي حِجْرِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا سُبِينَا رَجَوْتُ الرُّؤْيَا، قَالَتْ: فَأَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَزَوَّجَنِي، وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ فِي قَوْمِي حَتَّى كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُمْ وَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ عَمِّي تُخْبِرُنِي الْخَبَرَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَيُقَالُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَ أَرْبَعِينَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَنَّ أَبَاهَا طَلَبَهَا وَافْتَدَاهَا، ثُمَّ خَطَبَهَا مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
قِصَّةُ الْإِفْكِ وَهَذَا سِيَاقُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدِيث الْإِفْكِ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (١) وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ الزُّهْرِيّ: وكل قد
حَدثنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ كَانَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بعض، وَقد جمعت كُلَّ الَّذِي (٣) حَدَّثَنِي الْقَوْمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ نَفْسِهَا حِينَ قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَكُلٌّ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِهَا عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يُحَدِّثُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يُحَدِّثْ صَاحِبُهُ، وَكُلٌّ كَانَ عَنْهَا ثِقَةً، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَ عَنْهَا بِمَا سَمِعَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ مَعَهُ، فَخَرَجَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَتْ: وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ يأكلن العلق (٤) لم يهجهن اللَّحْمُ فَيَثْقُلْنَ، وَكُنْتُ إِذَا رَحَلَ لِي بَعِيرِي جَلَسْتُ فِي هَوْدَجِي، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا يرحلون لي فيحملونني وَيَأْخُذُونَ بِأَسْفَلِ الْهَوْدَجِ فَيَرْفَعُونَهُ فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ فَيَشُدُّونَهُ بِحِبَالِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ.
_________________
(١) ابْن هِشَام: سعيد بن جُبَير.
(٢) الاصل: وَعبد الله بن عبيد الله. وَمَا أثْبته عَن ابْن هِشَام.
(٣) ابْن هِشَام: لَك الَّذِي.
(٤) العلق: جمع علقَة، وَهِي كل مَا يتبلغ بِهِ من الْعَيْش. (*)
[ ٣ / ٣٠٤ ]
قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَجَّهَ قَافِلًا حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ نَزَلَ مَنْزِلًا فَبَاتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤذن فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، وَخَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَفِي عُنُقِي عِقْدٌ لِي فِيهِ جَزْعُ ظَفَارٍ (١) فَلَمَّا فَرَغْتُ انْسَلَّ مِنْ عُنُقِي وَلَا أَدْرِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الرَّحْلِ ذَهَبْتُ أَلْتَمِسُهُ فِي عُنُقِي فَلَمْ أَجِدْهُ، وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِي الرَّحِيلِ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى
وَجَدْتُهُ، وَجَاءَ الْقَوْمُ خِلَافِي الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونَ لِيَ الْبَعِيرَ وَقَدْ كَانُوا فَرَغُوا مَنْ رِحْلَتِهِ، فَأَخَذُوا الْهَوْدَجَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنِّي فِيهِ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَاحْتَمَلُوهُ فَشَدُّوهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَلَمْ يَشُكُّوا أَنِّي فِيهِ، ثُمَّ أَخَذُوا بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقُوا بِهِ.
فَرَجَعْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، قَدِ انْطَلَقَ النَّاسُ.
قَالَتْ: فَتَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي ثُمَّ اضْطَجَعْتُ فِي مَكَانِي، وَعَرَفْتُ أَنْ لَوِ افْتُقِدْتُ لَرُجِعَ النَّاس إِلَيَّ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَمُضْطَجِعَةٌ إِذْ مَرَّ بِي صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ وَكَانَ قد تخلف عَن الْعَسْكَر لبَعض حاجاته فَلَمْ يَبِتْ مَعَ النَّاسِ، فَرَأَى سَوَادِي فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! ظَعِينَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ وَأَنَا مُتَلَفِّفَةٌ فِي ثِيَابِي.
قَالَ: مَا خَلَّفَكِ يَرْحَمُكِ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فَمَا كَلَّمْتُهُ.
ثُمَّ قَرَّبَ إِلَيَّ الْبَعِيرَ فَقَالَ: ارْكَبِي.
وَاسْتَأْخَرَ عَنِّي.
قَالَتْ: فَرَكِبْتُ وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ سَرِيعًا يَطْلُبُ النَّاسَ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَمَا افْتُقِدْتُ حَتَّى أَصْبَحْتُ، وَنَزَلَ النَّاسُ فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا طَلَعَ الرَّجُلُ يَقُودُ بِي، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَارْتَجَّ الْعَسْكَر وَوَاللَّه مَا أعلم بشئ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَلَمْ أَلْبَثْ أَنِ اشْتَكَيْتُ شَكْوَى شَدِيدَةً لَا يَبْلُغُنِي مِنْ ذَلِك شئ.
_________________
(١) الْجزع: الخرز. وظفار: مَدِينَة بِالْيمن. (٢٠ - السِّيرَة ٣) (*)
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وَقَدِ انْتَهَى الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى أَبَوَيَّ، لَا يَذْكُرُونَ لِي مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ لُطْفِهِ بِي، كُنْتُ إِذَا اشْتَكَيْتُ رَحِمَنِي وَلَطَفَ بِي، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِي فِي شكواي ذَلِك، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي أُمِّي تُمَرِّضُنِي قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَتْ: حَتَّى وَجَدْتُ فِي نَفْسِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُ مِنْ جَفَائِهِ لِي: لَوْ أَذِنْتَ لِي فَانْتَقَلْتُ إِلَى أُمِّي فَمَرَّضَتْنِي.
قَالَ: لَا عَلَيْك.
قَالَت: فَانْقَلَبت إِلَى أُمِّي وَلَا علم لي بشئ مِمَّا كَانَ، حَتَّى نَقِهْتُ مِنْ وَجَعِي بَعْدَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكُنَّا قَوْمًا عَرَبًا لَا نَتَّخِذُ فِي بُيُوتِنَا هَذِهِ الْكُنُفَ الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْأَعَاجِمُ نَعَافُهَا وَنَكْرَهُهَا، إِنَّمَا كُنَّا نَخْرُجُ فِي فُسَحِ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي حَوَائِجِهِنَّ، فَخَرَجْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِيَ أُمُّ مِسْطَحٍ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بن الْمطلب، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَتَمْشِي مَعِي إِذْ عَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ.
وَمِسْطَحٌ لَقَبٌ واسْمه عَوْف.
قَالَت: فَقلت: بئس لعَمْرو اللَّهِ مَا قُلْتِ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ شهد بَدْرًا.
قَالَت: أَو مَا بَلَغَكِ الْخَبَرُ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِالَّذِي كَانَ مِنْ قَول أهل الافك.
قلت: أَو قد كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَقْضِيَ حَاجَتِي، وَرَجَعْتُ، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَبْكِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْبُكَاءَ سَيَصْدَعُ كَبِدِي.
قَالَتْ: وَقُلْتُ لِأُمِّي: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِمَا تَحَدَّثُوا بِهِ وَلَا تَذْكُرِينَ لِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئا! قَالَت: أَي بنية خففي (١) عَلَيْك الشَّأْن فوَاللَّه لقل مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضرائر إِلَّا كثرن وَكثر النَّاس عَلَيْهَا.
_________________
(١) ابْن هِشَام: خفضي. (*)
[ ٣ / ٣٠٦ ]
قَالَتْ: وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي وَيَقُولُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ الْحَقِّ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ إِلَّا خَيْرًا، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا: وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا وَهُوَ مَعِي.
قَالَتْ: وَكَانَ كِبْرُ ذَلِكَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فِي رِجَالٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مَعَ
الَّذِي قَالَ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أُخْتَهَا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلم تكن امْرَأَة من نِسَائِهِ تناصبني فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ غَيْرُهَا.
فَأَمَّا زَيْنَبُ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا حمْنَة فأشاعت من ذَلِك مَا أشاعت تضارني لِأُخْتِهَا فَشَقِيَتْ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْمَقَالَةَ قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ يَكُونُوا من الاوس نكفيكهم وَإِنْ يَكُونُوا مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا أَمْرَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَأَهْلٌ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ.
قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُرَى رَجُلًا صَالِحًا فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله مَا تَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَّا أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَوْمِكَ مَا قُلْتَ هَذَا.
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ.
قَالَتْ: وَتَسَاوَرَ النَّاسُ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ.
وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ على فَدَعَا عَليّ بن أبي طَالب وَأُسَامَة ابْن زَيْدٍ فَاسْتَشَارَهُمَا، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَثْنَى خَيْرًا وَقَالَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلُكَ وَمَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا، وَهَذَا الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ.
وَأَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن النِّسَاء
[ ٣ / ٣٠٧ ]
لَكَثِيرٌ وَإِنَّكَ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ فَإِنَّهَا سَتَصْدُقُكَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَة يسْأَلهَا.
قَالَتْ: فَقَامَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا وَيَقُولُ: اصْدُقِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَتْ: فَتَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كُنْتُ أَعِيبُ عَلَى عَائِشَةَ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَعْجِنُ عَجِينِي فَآمُرُهَا أَنْ تَحْفَظَهُ فَتَنَامُ عَنْهُ فَتَأْتِي الشَّاةُ فَتَأْكُلُهُ! قَالَتْ: ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي أَبَوَايَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ
مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَا أَبْكِي وَهِيَ تَبْكِي، فَجَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا بَلَغَكِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ، فَاتَّقِي اللَّهَ، وَإِنْ كُنْتِ قَدْ قَارَفْتِ سُوءًا مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنْ هُوَ إِلَّا أَنْ قَالَ لِي ذَلِكَ فَقَلَصَ (١) دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْتَظَرْتُ أَبَوَيَّ أَنْ يُجِيبَا عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَتَكَلَّمَا.
قَالَتْ: وَايْمُ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي وَأَصْغَرَ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِيَّ قُرْآنًا يُقْرَأُ بِهِ وَيُصَلَّى بِهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَومه شَيْئا يكذب الله بِهِ عني لما يعلم من براءتي ويخبر خَبَرًا، وَأَمَّا قُرْآنًا يَنْزِلُ فِيَّ فَوَاللَّهِ لَنَفْسِي كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ.
قَالَتْ: فَلَمَّا لَمْ أَرَ أَبَوَيَّ يَتَكَلَّمَانِ قُلْتُ لَهُمَا: أَلَا تُجِيبَانِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَا: وَالله مَا نَدْرِي بِمَا نُجِيبُهُ.
قَالَتْ: وَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا اسْتَعْجَمَا عَلَيَّ اسْتَعْبَرْتُ فَبَكَيْتُ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا ذَكَرْتَ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ لَئِنْ أَقْرَرْتُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَأَقُولَنَّ مَا لم يكن، وَلَئِن أَنا أنْكرت
_________________
(١) قلص: ارْتَفع. (*)
[ ٣ / ٣٠٨ ]
مَا يَقُولُونَ لَا تُصَدِّقُونَنِي.
قَالَتْ: ثُمَّ الْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَمَا أَذْكُرُهُ فَقُلْتُ: وَلَكِنْ سَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسَهُ حَتَّى تَغَشَّاهُ مِنَ اللَّهِ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ وَوُضِعَتْ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَأَمَّا أَنَا حِينَ رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَمَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ فوالذي نفس عَائِشَة بِيَدِهِ ماسرى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النَّاسُ.
قَالَتْ: ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَإِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْ وَجْهِهِ مِثْلُ الْجُمَانِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَجَعَلَ يمسح الْعرق عَن وَجهه وَيَقُولُ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عزوجل بَرَاءَتَكِ.
قَالَتْ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ الله عزوجل مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالْفَاحِشَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا السِّيَاقُ فِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ.
وَذِكْرُ حَدِّ الْقَذْفِ لِحَسَّانَ وَمَنْ مَعَهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَرْبِ حَسَّانَ وَأَصْحَابِهِ: لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الَّذِي كَانَ أَهْلَهُ * وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ (١) تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيِّهِمْ * وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأُتْرِحُوا (٢) وَآذَوْا رَسُول الله فِيهَا فجللوا * مخازي تبقى عممومها وفضحوا
_________________
(١) الهجير: الْفَاحِش من القَوْل.
(٢) أترحوا: أحزنوا، من التَّرَحِ. (*)
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وصبت عَلَيْهِم محصدات كَأَنَّهَا * شآبيب قطر فِي ذُرَا الْمُزْنِ تَسْفَحُ (١) وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ شِعْرًا يَهْجُو فِيهِ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ وَجَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ تَخَاصَمَ عَلَى الْمَاءِ (٢) مِنْ أَصْحَابِ جَهْجَهَاهٍ كَمَا تقدم أَوله هِيَ: أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزُّوا وَقَدْ كَثُرُوا * وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ (٣) قَدْ ثَكِلَتْ أُمُّهُ مَنْ كُنْتَ صَاحِبَهُ * أَوْ كَانَ مُنْتَشِبًا فِي بُرْثُنِ الْأَسَدِ مَا لِقَتِيلِي الَّذِي أَغْدُو فَآخُذُهُ * مِنْ دِيَةٍ فِيهِ يُعْطَاهَا وَلَا قَوَدِ مَا الْبَحْرُ حِينَ تَهُبُّ الرِّيحُ شَامِيَةً * فَيَغْطَئِلُّ وَيَرْمِي الْعِبْرَ بِالزَّبَدِ (٤) يَوْمًا بِأَغْلَبَ مِنِّي حِينَ تُبْصِرُنِي * مِلْغَيْظِ أَفْرِي كَفَرْيِ الْعَارِضِ الْبَرِدِ (٥)
أَمَّا قُرَيْشٌ فَإِنِّي لَا أُسَالِمُهَا * حَتَّى يُنِيبُوا مِنَ الْغَيَّاتِ لِلرَّشَدِ وَيَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى بِمَعْزِلَةٍ * وَيَسْجُدُوا كُلُّهُمْ لِلْوَاحِدِ الصَّمَدِ وَيَشْهَدُوا أَنَّ مَا قَالَ الرَّسُولُ لَهُمْ * حُقٌّ فَيُوفُوا بِحَقِّ اللَّهِ وَالْوُكُدِ (٦) قَالَ: فَاعْتَرَضَهُ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ وَهُوَ يَقُولُ: تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي * غُلَامٌ إِذا هُوَ جيت لَسْتُ بِشَاعِرِ وَذَكَرَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخَذَ صَفْوَانَ حِينَ ضَرَبَ حَسَّانَ فَشَدَّهُ وَثَاقًا، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالَ: ماهذا؟ فَقَالَ: ضَرَبَ حَسَّانَ بِالسَّيْفِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بشئ من ذَلِك؟ قَالَ: لَا.
فَأَطْلَقَهُ ثُمَّ أَتَوْا كُلُّهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ابْنُ الْمُعَطَّلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آذَانِي وَهَجَانِي فَاحْتَمَلَنِي
_________________
(١) المحصدات: السِّيَاط الشَّدِيدَة الفتل. والشآبيب: جمع شؤبوب وَهِي الدفعة من الْمَطَر. والمزن: السَّحَاب (٢) ابْن هِشَام: يعرض بِابْن الْمُعَطل فِيهِ، وبمن أسلم من الْعَرَب من مُضر.
(٢) الجلابيب: الغرباء.
(٣) يغطئل: يركب بعضه بَعْضًا. والعبر: جَانب الْبَحْر.
(٤) أفرى: أقطع. والعارض: السَّحَاب.
(٥) الوكد: العهود والمواثيق. (*)
[ ٣ / ٣١٠ ]
الْغَضَبُ فَضَرَبْتُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا حَسَّانُ أَتَشَوَّهْتَ عَلَى قَوْمِي إِذْ هَدَاهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنْ يَا حَسَّانُ فِيمَا أَصَابَكَ.
فَقَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَعَوَّضَهُ مِنْهَا بَيْرُحَاءَ (١) الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا أَبُو طَلْحَةَ وَجَارِيَةً قِبْطِيَّةً يُقَالُ لَهَا سِيرِينُ جَاءَهُ مِنْهَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: سُئِلَ عَنِ ابْنِ الْمُعَطَّلِ فَوُجِدَ رَجُلًا حَصُورًا مَا يَأْتِي النِّسَاءَ.
ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا ﵁.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَعْتَذِرُ مِنَ الَّذِي كَانَ قَالَ فِي شَأْن عَائِشَة:
حصان رزان مَا تزن برببة * وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ (٢) عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ * كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غير زائل وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ * بِكِ الدَّهْر بل قيل امْرِئ بِي ماحل (٣) فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمُ * فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي * لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ المحافل وَإِن لَهُم عزا ترى النَّاسُ دُونَهُ * قِصَارًا وَطَالَ الْعِزُّ كُلَّ التَّطَاوُلِ وَلْتُكْتَبْ هَاهُنَا الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ النُّورِ، وَهِيَ من قَوْله: " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ " إِلَى: " مغْفرَة ورزق كريم " وَمَا أَوْرَدْنَاهُ هُنَالِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالطُّرُقِ وَالْآثَارِ عَن السّلف وَالْخلف.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
_________________
(١) جَاءَ: اسْم رجل أضيفت إِلَيْهِ الْبِئْر وَفِي ابْن هِشَام: وَهِي قصر بني جديلة الْيَوْم بِالْمَدِينَةِ.
(٢) تزن: تتهم والغرثى: الجائعة.
(٣) لائط: لاصق. والماحل: الواشي. (*)
[ ٣ / ٣١١ ]
غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَقَدْ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ بِلَا خِلَافٍ.
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وقَتَادَةُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي شَوَّالٍ: وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنْ عُرْوَةَ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ هُدْبَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمر أَربع عمر فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الْعُمْرَةَ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَمن الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
* * * وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَخَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مُعْتَمِرًا لَا يُرِيدُ حَرْبًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نميلَة ابْن عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي مِنَ الاعراب لِيخْرجُوا
[ ٣ / ٣١٢ ]
مَعَه، وَهُوَ يخْشَى من قُرَيْش أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ حَرْبِهِ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةِ نَفَرٍ: وَكَانَ جَابِرُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً.
* * *
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ (١) بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ فَخَرَجُوا مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (٢)، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قدمُوا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ! قد أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ؟ فَوَاللَّهِ لَا أَزَال أجاهد على هَذَا الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَو تنفرد هَذِه السالفة.
(٣) ثمَّ
_________________
(١) وَيُقَال لَهُ: بسر. كَمَا قَالَ ابْن هِشَام.
(٢) العوذ المطافيل: النوق ذَوَات اللَّبن مَعهَا أَوْلَادهَا. وهى كِنَايَة عَن النِّسَاء مَعهَا الاطفال.
(٣) السالفة: صفحة الْعُنُق. وَأَرَادَ بذلك الْمَوْت. (*)
[ ٣ / ٣١٣ ]
قَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا؟ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: أَنَا يَا رَسُول الله.
فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ (١) بَيْنَ شِعَابٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَفْضَوْا إِلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْوَادي، قَالَ رَسُول الله: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ.
فَقَالُوا ذَلِكَ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَلْحِطَّةُ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأمر رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ: اسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَين ظهرى الحمض.
فِي طَرِيق يُخرجهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ.
قَالَ: فَسَلَكَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا
عَنْ طَرِيقِهِمْ رَكَضُوا رَاجِعِينَ إِلَى قُرَيْشٍ.
وَخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا سَلَكَ فِي ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: خَلَأَتْ (٢) .
فَقَالَ: مَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خطة يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا.
* * * ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا.
قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله مَا بالوادي مَاء ينزل عَلَيْهِ.
فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ، فَغَرَزَهُ فِي جَوْفِهِ فَجَاشَ بِالرَّوَاءِ حَتَّى ضرب النَّاس عَنهُ بِعَطَن (٣) .
_________________
(١) الاجرل: الْكثير الْحِجَارَة.
(٢) خلات: حرنت وبركت من غير عِلّة.
(٣) ضرب النَّاس بِعَطَن: أناخوا حول المَاء بعد السَّقْي (*) .
[ ٣ / ٣١٤ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ (١)، سَائِقُ بُدْنِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي نَزَلْتُ بِسَهْمِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
ثمَّ اسْتدلَّ ابْن إِسْحَاق للاول أَن جَارِيَة من الانصار جَاءَت الْبِئْر وَنَاجِيَة أَسْفَلِهِ يَمِيحُ (٢) فَقَالَتْ: يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا * إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجِّدُونَكَا فَأَجَابَهَا فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ * أَنِّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيهْ
وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ * طَعَنْتُهَا عِنْدَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ * * * قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ ومعظما لِحُرْمَتِهِ.
ثمَّ قَالَ لَهُم نَحْو مَا قَالَ لِبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ، فَرَجَعُوا إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّد، وَإِن مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لهَذَا الْبَيْت.
فاتهموهم وجبهوهم وَقَالُوا: وَإِن جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَوَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا علينا عنْوَة وَلَا تُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنَّا الْعَرَبُ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ (٣) نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا لَا يُخْفُونَ عَنهُ شَيْئا كَانَ بِمَكَّة.
_________________
(١) ذكر ابْن هِشَام بَقِيَّة نسبه.
(٢) يميح: يملا الدلاء.
(٣) العيبة: مَوضِع السِّرّ والخاصة. (*) .
[ ٣ / ٣١٥ ]
قَالَ: ثُمَّ بَعَثُوا إِلَيْهِ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ بعثوا بحليس بْنَ عَلْقَمَةَ أَوِ ابْنَ زَبَّانَ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ الْأَحَابِيشِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَذَا من قوم يتألهون فَابْعَثُوا الْهدى فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ.
فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ قَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلِّهِ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِعْظَامًا لِمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَقَالُوا لَهُ: اجْلِسْ
فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْحُلَيْسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا على هَذَا حالفناكم وَلَا على هَذَا عاهدناكم، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَهُ مُعَظِّمًا لَهُ؟ وَالَّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
قَالُوا: مَهْ كُفَّ عَنَّا حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ.
* * * قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ بَعَثْتُمُوهُ إِلَى مُحَمَّد إِذْ جَاءَكُمْ مِنَ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَأَنِّي وَلَدٌ، وَكَانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالَّذِي نَابَكُمْ فَجَمَعْتُ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي ثُمَّ جِئْتُكُمْ حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي.
قَالُوا: صَدَقْتَ مَا أَنْتَ عندنَا بمتهم.
[ ٣ / ٣١٦ ]
فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد أَجمعت أَو شَاب النَّاسِ ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إِلَى بَيْضَتِكَ لِتَفُضَّهَا بِهِمْ؟ إِنَّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدِ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا.
قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ.
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَكَافَأْتُكَ بِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ بِهَذِهِ.
قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يكلمهُ، والمغيرة ابْن شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَ
يقرع يَده إِذْ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُ: اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَلَّا تَصِلَ إِلَيْكَ.
قَالَ: فَيَقُولُ عُرْوَةُ: وَيْحَكَ مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكَ!.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
قَالَ: أَيْ غُدَرُ وَهَلْ غسلت سوأتك إِلَّا بالامس! قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوٍ مِمَّا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا، فَقَامَ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ، لَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا ابْتَدَرُوا وَضُوءَهُ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إِلَّا ابْتَدَرُوهُ وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شِعْرِهِ شئ إِلَّا أَخَذُوهُ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِهِ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ! وَلَقَدْ رَأَيْتُ قوما لَا يسلمونه لشئ أَبَدًا، فَرَوْا رَأْيَكُمْ.
[ ٣ / ٣١٧ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الثَّعْلَبُ: لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لَهُ، فَعَقَرُوا بِهِ جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ الْأَحَابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رجلا مِنْهُم أَو خمسين، أمروهم أَنْ يُطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا فَأخذُوا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوْا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ.
ثُمَّ دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لِيَبْعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ فَيُبَلِّغَ عَنْهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي وَلَيْسَ بِمَكَّة من بني عدى أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إِيَّاهَا وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا وَلَكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ أَعَزَّ بِهَا مِنِّي.
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَبَعَثَهُ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَأَشْرَافِ قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لهَذَا الْبَيْت مُعظما لِحُرْمَتِهِ.
فَخَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَجَارَهُ حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، فَقَالُوا لِعُثْمَانَ حِينَ بَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ.
قَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا.
فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ
[ ٣ / ٣١٨ ]
قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ.
* * * وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبيعَة، وَكَانَت بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: بَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ.
وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى أَلَّا نَفِرَّ.
فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النَّاسُ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَهَا إِلَّا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَيْهِ لَاصِقًا بِإِبِطِ نَاقَتِهِ قَدْ ضَبَأَ (١) إِلَيْهَا يَسْتَتِرُ مِنَ النَّاسِ.
ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بَاطِلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَام: ودكر وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَايَعَ لعُثْمَان فَضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ الْأُخْرَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ بِهَذَا الاسناد ضَعِيف، لكنه ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: ائْتِ مُحَمَّدًا وَصَالَحَهُ، وَلَا يكن فِي صلحه
_________________
(١) ضبأ: لصق. (*)
[ ٣ / ٣١٩ ]
إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَنْوَةً أَبَدًا.
فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ.
فَلَمَّا انْتَهَى سُهَيْلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَكَلَّمَ فَأَطَالَ الْكَلَامَ، وَتَرَاجَعَا ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ.
فَلَمَّا الْتَأَمَ الْأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْكِتَابُ وَثَبَ عُمَرُ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ برَسُول الله؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ: أَو لسنا بِالْمُسْلِمين؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ: أَو لَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ (١) فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتَ بِرَسُولِ الله؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ: أَو لسنا بِالْمُسْلِمين؟ قَالَ: بلَى.
قَالَ أَو لَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ لن أُخَالِف أمره وَلنْ يضيعني وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ يَوْمئِذٍ، مَخَافَة كَلَامي الَّذِي تكلمته يَوْمَئِذٍ، حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا.
* * * قَالَ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ.
فَكَتَبَهَا.
ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: " هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ".
قَالَ: فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُقَاتِلْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيك.
_________________
(١) الغرز: ركاب من جلد تُوضَع فِيهِ الرجل. وَالْمرَاد: اتبع أمره وَلَا تخَالفه. (*)
[ ٣ / ٣٢٠ ]
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبْ: " هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنِ النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى مُحَمَّدًا مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً (١) مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ (٢) وَلَا إِغْلَالَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ ".
فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ.
وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ.
وَأَنَّكَ تَرْجِعُ عَامَكَ هَذَا فَلَا تَدْخُلُ عَلَيْنَا مَكَّةَ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ خَرَجْنَا
عَنْكَ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِك فأقمت بهَا ثَلَاثًا، مَعَكَ سِلَاحُ الرَّاكِبِ: السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ لَا تَدْخُلُهَا بِغَيْرِهَا.
قَالَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ هُوَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ قَدِ انْفَلَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ كَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ لِرُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا رَأَوْا مِنَ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعِ وَمَا تَحَمَّلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ.
فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ لَجَّتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا.
قَالَ: صدقت.
فَجعل ينتره بتلبيبه ويجره
_________________
(١) العيبة: مَوضِع السِّرّ ومكفوفة: مطوية.
(٢) الاسلال: السّرقَة الْخفية. والاغلال: الْخِيَانَة. (٢١ - السِّيرَة ٣) (*)
[ ٣ / ٣٢١ ]
يَعْنِي يردهُ (١) إِلَى قُرَيْشٍ، وَجَعَلَ أَبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِنِي فِي دِينِي.
فَزَادَ ذَلِكَ النَّاسَ إِلَى مَا بِهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.
إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ ".
قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ يمشي إِلَى جنبه وَيَقُول: اصبر أَبَا جَنْدَلٍ، فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ.
قَالَ: وَيُدْنِي قَائِمَ السَّيْفِ مِنْهُ.
قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: رَجَوْتُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ أَبَاهُ! قَالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ، وَنَفَذَتِ الْقَضِيَّةُ.
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْكِتَابِ أَشْهَدَ عَلَى الصُّلْحِ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرِجَالًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَن ابْن عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَمِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَتَبَ، وَكَانَ هُوَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ.
* * * وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَرِبًا فِي الْحِلِّ (٢)، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحرم، فَمَا فَرَغَ مِنَ الصُّلْحِ قَامَ إِلَى هَدْيِهِ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَكَانَ الَّذِي حَلَقَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ الله وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ وَحَلَقَ تَوَاثَبُوا يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ.
_________________
(١) ابْن هِشَام: ليَرُدهُ.
(٢) مضطربا: كَانَت خيامه مقامة فِي الْحل. (*)
[ ٣ / ٣٢٢ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ ".
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ ظَاهَرْتَ التَّرْحِيمَ لِلْمُحَلِّقِينَ دُونَ الْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: لَمْ يَشُكُّوا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَاهُ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ.
هَذَا سِيَاقُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ﵀ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ كَمَا سَيَأْتِي مُخَالَفَةٌ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لِهَذَا السِّيَاقِ كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ الله وَبِه الثِّقَة.
ولنوردها بِتَمَامِهَا، وَنَذْكُر فِي الاحاديث الصِّحَاح والحسان مَا فِيهِ [غناء] .
إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.
* * * قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة فأصابنا مطر ذَات لَيْلَة، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْح، ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم "؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَما من
[ ٣ / ٣٢٣ ]
قَالَ: مُطِرْنَا برحمة وَبِفَضْلِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ صَحِيحِهِ،.
وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: تَعدونَ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ
ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا.
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِك فتحا قَرِيبا ": صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، إِنَّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَة وَوضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَأمن النَّاس كلم بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَقَوْا فَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلَّمْ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا دَخَلَ فِيهِ، وَلَقَدْ دَخَلَ فِي تَيْنَكِ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْحُدَيْبِيَة فِي ألف وَأَرْبع مائَة رَجُلٍ فِي قَوْلِ جَابِرٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ
[ ٣ / ٣٢٤ ]
يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مالكم؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَوَضَّأ بِهِ وَلَا مَا نشرب إِلَّا مَا فِي ركوتك.
فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ.
قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا.
فَقُلْنَا لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: بَلَغَنِي أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ: كَانُوا أَرْبَعَ
عَشْرَةَ مِائَةً.
فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ: كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ.
تَابَعَهُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ قَتَادَةَ.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: " أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ " وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَان الشَّجَرَة.
وَقد روى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ يَشْكُوهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَذَبْتَ لَا يدخلهَا، شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضا من طرق [عَنِ] ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرا
[ ٣ / ٣٢٥ ]
يَقُول: أَخْبَرتنِي أم ميسر أَنَّهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول عِنْد حَفْصَة: " لايدخل أَحَدٌ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا " فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ " وَإِنْ مِنْكُم إِلَّا واردها " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قَالَ تَعَالَى: " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمين فِيهَا جثيا ".
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمُنَ الْمُهَاجِرِينَ.
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
هَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن عبد اللَّهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ
أَبِيهِ عَنْ شُعْبَة بِهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم، عَن النَّضر.
ابْن شُمَيْلٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ مِنْهَا.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَسَيَأْتِي هَذَا السِّيَاقُ بِتَمَامِهِ.
* * * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا سبع مائَة.
وَهُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَفَقُّهًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْبُدْنَ كُنَّ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكُلٌّ مِنْهَا عَنْ عَشَرَةٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَيَكُونُ الْمُهِلُّونَ سَبْعَمِائَةٍ.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُهْدِيَ كُلُّهُمْ وَلَا أَنْ يُحْرِمَ كُلُّهُمْ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٣ / ٣٢٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ وَلَمْ يُحْرِمْ أَبُو قَتَادَةَ حَتَّى قَتَلَ ذَلِكَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ فَأَكَلَ مِنْهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَحَمَلُوا مِنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أثْنَاء الطَّرِيق فَقَالَ: هَل مِنْكُم أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ من الْحمار.
وَقد قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا شُعْبَة بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ.
* * * وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا.
حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا طَارِقٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمسيب، عَن أَبِيه أَنه كَانَ فِيمَن بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَرَجَعْنَا إِلَيْهَا الْعَامَ الْمُقْبِلَ فَعَمِيَتْ عَلَيْنَا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الْمَسْجِدُ؟ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.
فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا.
ثمَّ قَالَ سعيد: إِن أَصْحَاب مُحَمَّد لَمْ يَعْلَمُوهَا، وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ! فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ؟ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عَوَانَةَ وشبابة عَن طَارق.
وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا سعيد، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ وَالنَّاسُ يُبَايِعُونَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَقَالَ ابْنُ
[ ٣ / ٣٢٧ ]
زَيْدٍ: عَلَى مَا يُبَايِعُ ابْنُ حَنْظَلَةَ النَّاسَ؟ قِيلَ لَهُ: عَلَى الْمَوْتِ.
فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ شَهِدَ مَعَهُ الْحُدَيْبِيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يزِيد بن أبي عبيد قلت لسَلمَة بن الاكوع: على أَي شئ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ بَايَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ وَوَسَطِهِمْ وَأَوَاخِرِهِمْ.
وَفِي الصَّحِيح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَانَ آخِذًا بِأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَبُو سِنَانٍ، وَهُوَ وَهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أَخُو عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وَقِيلَ سِنَان ابْن أَبِي سِنَانٍ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، سَمِعَ النَّضْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ عُمَرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَعُمَرُ لَا يَدْرِي بِذَلِكَ، فَبَايَعَهُ عبد الله، فَانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ الَّتِي تحدث النَّاسُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة تفَرقُوا فِي ظلال الشَّجَرَة، فَإِذَا النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ انْظُرْ
[ ٣ / ٣٢٨ ]
مَا شَأْنُ النَّاسِ قَدْ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُمْ يُبَايِعُونَ، فَبَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ فَبَايَعَ.
تَفَرَّدَ بِهِ البُخَارِيّ من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ.