فكم من المسلمين- نساء ورجالا- أسلموا، ولهم من أسرتهم- ربما آباؤهم وإخوانهم- من أكبر أعداء الإسلام ومحاربيه، ويقودون ذلك ضد كل من أسلم. ونال هؤلاء الذين أسلموا منهم أشد أنواع النكال والتعذيب والحرمان. وكان هؤلاء المسلمون- فوق ذلك كله- يدعون أهليهم إلى دين الله تعالى. من أمثال: حنظلة الغسيل (غسيل الملائكة وشهيد أحد) بن أبي
[ ١١٤ ]
عامر الفاسق. فكان أبوه هذا الفاسق يوم أحد مع المشركين «١» وابنه حنظلة يقاتل المشركين- ومعهم والده- ناصرا دعوة الله تعالى، حتى استشهد فيها، ومن أوائلهم.
وعبد الله (الابن) بن عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجي، كان أبوه رأس النفاق في المدينة المنورة، وبه عرف. أما ابنه (عبد الله الابن) فكان من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيّره النبي ﷺ وسماه عبد الله. واستمر هذا يجاهد مع الرسول الكريم ﷺ، واستشهد يوم اليمامة «٢»، في قتال مسيلمة الكذاب. ومن مواقفه (الابن) أنه وقف ضد أبيه حين عاد المسلمون من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي حدثت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة «٣» .
كذلك أخته رملة بنت عبد الله بن أبي بن سلول الأنصارية وأبوها رأس المنافقين، أسلمت وبايعت الرسول الكريم «٤» ﷺ. وكذلك أختها جميلة بنت أبي بن سلول، وكانت زوج حنظلة الغسيل «٥» .
_________________
(١) كان هذا الفاسق يسمى في الجاهلية الراهب، وقد حسد- مع ابن سلول- رسول الله ﷺ على ما منّ الله به عليه. وأما حنظلة فهو من سادات المسلمين وفضلائهم. وسار للجهاد إلى أحد صباح ليلة عرسه فاستشهد فيها فغسلته الملائكة، فأصبح هذا اسما عرف به ويدل عليه. أسد الغابة، (٢/ ٦٦- ٦٧) .
(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٢١) . ولعبد الله الابن مواقف كثيرة رائعة رائقة. انظر: أسد الغابة، (٣/ ٢٩٦- ٢٦٨) .
(٣) هناك نقاش في تحديد تاريخ هذه الغزوة، والذي يبدو أن التاريخ المذكور يكون هو الصحيح الذي اعتمده العديد، وأن معركة الخندق كانت بعدها، حيث جرت في شوال السنة الخامسة للهجرة. سبل الهدى، (٤/ ٥٠٢- ٥٠٣) . زاد المعاد، (٣/ ٢٥٦- ٢٦٩) . قارن: سيرة ابن هشام، (٣/ ٢١٤، ٢٨٩) . الذي جعل المريسيع في شعبان السنة السادسة للهجرة واتفق على تاريخ الخندق شوال السنة الخامسة للهجرة.
(٤) أسد الغابة، (٧/ ١١٧) . والأمثلة في هذا كثيرة ووفيرة جدا، من الرجال والنساء.
(٥) أسد الغابة، (٧/ ٥١) .
[ ١١٥ ]
وأبو جندل من المسلمين الأوائل. وأبو سهيل بن عمرو، الذي كان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم، أسلم فيما بعد، يوم فتح مكة (٨ هـ) «١»، واستشهد يوم اليرموك (١٥ هـ) «٢» . وكان رئيس وفد مفاوضي قريش في صلح الحديبية، في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة «٣» . وسهلة- كما سبق ذكره- أخت أبي جندل بنت سهيل بن عمرو كذلك، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة «٤»، وأخوها عبد الله بن سهيل بن عمرو، من فضلاء الصحابة، أسلم قديما في مكة وهاجر إلى الحبشة واضطرّ أن يكتم إسلامه، وخرج إلى بدر مع المشركين، فانحاز إلى رسول الله ﷺ «٥» .
وهذه الظاهرة- إسلام أفراد من أسرة عرفت بعداوتها للإسلام- تشمل النساء كذلك، رغم صعوبة ذلك على المرأة. فأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي أسلمت بمكة قديما، وقد صلّت القبلتين وبايعت رسول الله ﷺ «٦» . وهاجرت إلى رسول الله ﷺ عام الحديبية، وسارت من مكة إلى المدينة ماشية (نحو ٥٠٠ كم)، فسار أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة خلفها ليردّاها، فمنعها الله تعالى منهما. وكانت كل أسرتها تحارب الإسلام أقسى الحرب، ولا سيما أبوها كان من أكبر أعداء الإسلام طوال العهد المكي، فاذى رسول الله ﷺ أشد الإيذاء، وخرج في بدر مع المشركين يحارب الله ويحارب رسوله وقتل فيها في (١٧) رمضان السنة الثانية للهجرة الشريفة «٧» .
وهذه أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، المهاجرة إلى الحبشة، زوج رسول الله ﷺ، ورضي الله عنها، أسلمت قديما بمكة
_________________
(١) أسد الغابة، (٦/ ٥٤) .
(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ١٩٤) .
(٣) زاد المعاد، (٣/ ٢٨٦- ٣١٥) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٠٨) وبعدها.
(٤) سبل الهدى، (٥/ ٥٧) وبعدها، (١٤٨) .
(٥) أسد الغابة، (١/ ٢٧١) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٧٦) .
(٦) أسد الغابة، (٧/ ٣٨٦) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٧٦) .
(٧) سيرة ابن هشام، (١/ ٧٠٨) .
[ ١١٦ ]
وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها، الذي توفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ. عقد ﷺ عليها سنة ست بعد الحديبية وهي بالحبشة. أسلمت وكانت أسرتها تحارب الإسلام، حتى أبوها، وإلى أن أسلم في فتح مكة، في شهر رمضان السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة.
وانظر موقفها من أبيها يوم جاء إلى المدينة بعد صلح الحديبية ليؤكده، لنقض قريش العهد جهارا نهارا «١» . ورفض المسلمون جميعا التحدث معه، حينما لا حظوا أن الرسول ﷺ أعرض عنه. وذهب إليها يستنجد بها، فلم تستقبله يومها فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ، طوته دونه. فقال:
يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟ قالت: بل فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ «٢» .
وفي معركة أحد (منتصف شوال السنة الثالثة للهجرة الشريفة) كان الذي يحمل لواء رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وهو من بني عبد الدار «٣» .
والمشركون يحمل رايتهم بنو عبد الدار «٤»، وفيهم من إخوة مصعب.
واستشهد مصعب في أحد «٥» .
كان مصعب أترف (أرق) وأنعم وأعطر غلام في مكة يضرب به المثل في لبسه ودلاله، حتى في الذي كان يستعمله «٦»، فكان فتى مكة جمالا
_________________
(١) سيرة ابن هشام، (٢/ ٣٩٥) .
(٢) سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٢- ٢٢٣) . سيرة ابن هشام، (٢/ ٣٩٦) .
(٣) أسد الغابة، (٥/ ١٨٢، ١٨٤) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٧٣) . جمهرة أنساب العرب، (١٢٦) . الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٥) . وكان مع مصعب أخوه أبو الروم، قديم الإسلام ومن مهاجرة الحبشة واستشهد في اليرموك (١٥ هـ) .
(٤) سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٨) . مغازي الواقدي، (١/ ٢٩١) .
(٥) سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٨) . مغازي الواقدي، (١/ ٢٩١) .
(٦) الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٤) . أسد الغابة، (٥/ ١٨٢) . سير أعلام النبلاء، (٦/ ١٤٧) .
[ ١١٧ ]
وتيها «١» . وقال فيه رسول الله ﷺ، إذ وقف عليه حين رآه في ميدان المعركة يوم أحد، وهو منجعف (مصروع) على وجهه شهيدا «٢»، بعد أن استشهد، وكان لا يملك غير بردة (نمرة) لا تكفيه غطاء، إذا غطّي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه «٣»، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة ولا أحسن لمة منك، ثم أنت (اليوم) شعث الرأس في بردة» «٤» .
دقق في حياته، أسلم بعد ذلك الترف كله، الذي كان يتمناه الآخرون، إعجابا بجماله ومكانته وغناه، حرم وسجن ثم هاجر إلى الحبشة الهجرتين وعاد إلى مكة متابعا جهاده. «كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام. أسلم ورسول الله ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرا، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري يصلي، فأعلم أهله وأمه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم
_________________
(١) نفسه.
(٢) أسد الغابة، (٥/ ١٨٣- ١٨٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١٢١) .
(٣) أخرجه البخاري (رقم ١٢١٧، ورقم ٣٨٥٤) عن خباب بن الأرت، قال: (هاجرنا مع النبي ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوجب (فوقع) أجرنا على الله، فمنا من مضى أو ذهب، لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة (بردة- ثوبا)، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيّ بها رجلاه خرج رأسه. فقال النبي ﷺ: «غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر» . أو قال: «ألقوا على رجليه الإذخر» . ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) . البردة: كساء صغير مربع، وقد يكون مخطط، يلتحف به. جمعها: برد وبرد (أما البريد، فجمعها: برد) . النمرة: كساء فيه خطوط بيض وسود، جمعها: نمار. يهدبها: يجتنيها ويقطفها. انظر: الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٥) . مغازي الواقدي، (١/ ٣١٠) . أسد الغابة، (٥/ ١٨٣) . سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٤- ١٤٨) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٦٤، ٩٨، ١٦٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١٢١) .
(٤) مغازي الواقدي، (١/ ٣١١) . قارن: طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٧) .
[ ١١٨ ]
هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى ليعلّم الناس القرآن، ويصلي بهم» «١» .
وكان مصعب خلال ذلك كله مثالا في الصبر والاحتمال والتضحية والإقدام والإقبال والأخلاق وقلة الخلاف «٢» .
كان أول المهاجرين إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى (الصغرى) وعودة الأنصار الاثني عشر المبايعين إلى المدينة في ذي الحجة السنة الحادية عشرة للبعثة الشريفة. وقد أرسله النبي ﷺ إليهم (أو معهم) وإلى المدينة، حيث «بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى، يفقّه أهلها ويقرئهم القرآن (ويعلّمهم الإسلام)، ويفقههم في الدين» «٣» . فكان منزله على أسعد بن زرارة «٤» . وكان مصعب إنما يسمى بالمدينة المقرئ. يقال: «إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة.
وأسلم على يده العديد، منهم ثلاثة من أئمة الأنصار وسادتهم وأعلامهم، كلهم من بني عبد الأشهل الأوسيين «٥»، وهم عبّاد بن بشر «٦»، وأسيد بن حضير «٧»، وسعد بن معاذ «٨» . وكفى بذلك فخرا وأثرا في الإسلام» «٩» .
وعاد مصعب إلى مكة مع السبعين الذين وافوا يومها رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الثانية (الكبرى) في ذي حجة السنة الثانية عشرة للبعثة الشريفة.
وكان مصعب أول من زار رسول الله ﷺ قبل أهله، فما كان ليبدأ بأحد قبل
_________________
(١) أسد الغابة، (٥/ ١٨١) . الاستيعاب (٤/ ١٤٧٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٦) .
(٢) انظر: طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٦) .
(٣) سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٤) .
(٤) عن أسعد بن زرارة، انظر: سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٩٩) .
(٥) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٣٧) .
(٦) نفسه.
(٧) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٤٠) .
(٨) سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٧٩) . انظر: أدناه، ص ٢٢١ وبعدها.
(٩) أسد الغابة، (٥/ ١٨١) . سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٤) .
[ ١١٩ ]
رسول الله ﷺ. فسرّ به وبما حمل إليه من الأخبار في إسلام الأنصار «١» . ثم عاد إلى المدينة لهلال ربيع النبوي (الأول)، وذلك قبل مقدم رسول الله ﷺ باثنتي عشرة ليلة «٢» . واستمر في المدينة يعمل لخدمة الإسلام، لم يدع فرصة لذلك. وشهد كل المشاهد مع رسول الله ﷺ. وفي بدر، كان لواء رسول الله ﷺ الأعظم يومئذ- لواء المهاجرين- مع مصعب بن عمير «٣» .
وكذلك الأمر كان في أحد «٤»، يقاتل بها حتى سقط. ولما أخذها أخوه أبو الروم «فلم يزل في يده حتى دخل به المدينة حين انصرف المسلمون» «٥» .
وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم «٦» (أخت مصعب) زوج الحجاج بن علاط السّلمي، أقبلت على هذا الدين العظيم دين الله تعالى.