إنه لا يليق بالمسلم أن يعرف من هذا الدين مناسباته. ومن لا يتذكرون إسلامهم إلا في المناسبات، ليسوا أهلا لنصرته ودعوته، لكن المرجوّ أن تكون هذه المناسبات وقفة لإعادة النظر وإعمال الفكر؛ أن تكون نفحة تغسل الآثام، وتحرك النفوس للتوجّه إلى دين الله، والأخذ بكتاب الله، واتباع هدي رسول الله ﷺ. ولا يجب أن يشغلهم عنه أيّ شيء مهما كان، كما لا يصح أن يغنيهم عنه- أيّ غنى- أيّ منهج، مهما ادّعى وتبجح، فمنهج الله تعالى هو عدتهم وعدّة الإنسانية جميعا في كل العصور، وهو المنهج الوحيد الذي يجلب لها في الدنيا سيادة، وفي الآخرة سعادة.
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى، وتشرئب إلى هذا الأفق، تكون في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله، مصدرا ومرجعا ومنهجا، يعيش معه صاحبا كريما ناصحا أمينا، نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن.
وما كان لهذه المناسبات من مكانة تربّعت عليها؛ إلّا لفقر في نفوس المسلمين، وخواء في أحوالهم وأفعالهم وتمسّكهم، وإلّا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته، مثلما يحيا بفكره وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم ومع رسول الله ﷺ في سنّته وسيرته.
وكلّ ذلك حيّ في ضميره، تماما كما هو حيّ في سلوكه، وحبّ رسول الله ﷺ وطاعته، عقيدة وعبادة. وهي من حب الله وطاعته ودينه وشريعته.
_________________
(١) المعنى مأخوذ من حديث شريف للرسول الكريم ﷺ رواه العديد، منهم الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) .
[ ٢٥٣ ]
وبذلك يعلن محبة الخير للناس، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك. وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم، بل يكره باطلهم وفسادهم. وإن ما وهبهم الله من نعم الدنيا برحمته، وفتح من إمكانيات بحكمته، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل الأمر أشد وأكبر. وكلّ ذلك حجّة عليهم، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة الله في الإنسان والحياة واستيعابها، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه، بل يقبلون عليه، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ «١» [المؤمنون: ٥٣- ٦١] .
وهكذا لقد وقف رسول الله ﷺ يوما- في أوائل الدعوة المكية- يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية، وديمومتها، وصدقها، وأحقيتها، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم. والله الذي لا إله إلا هو! إني رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس كافة. والله! لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوآ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» «٢» .