ولقصة ربيعة الآنفة- بمضامينها الشاملة ومدلولاتها الفاضلة ولمساتها المتوثبة المحببة، نحو القمم المنيرة، سنلمح لبعضها الآخر- أمثلة متعددة متزاحمة تتجه بها نحو هذا الفهم، وتقود إلى هذا الوضوح، وتكشف الآفاق السامية، تلوح نحو معرفة الرسول الكريم ﷺ بأصحابه إلى هذا الحد، وفي كل الأوقات والأحوال والمناسبات. وهو يعيش معهم دوما ليس من ناحية
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب (٢٤) من سورة المؤمنون، رقم (٣١٧٥) . ورد الكلام بصيغة الجمع: «هم الذين يشربون الخمر ويسرقون »، (٥/ ٣٠٦- ٣٠٧) . التفسير، (٤/ ٢٤٧٢) .
(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز، (٦٣) . كذلك: شذرات الذهب، (٢/ ٧) . الطبقات الكبرى، (٥/ ٤٠١) . سير أعلام النبلاء، (٥/ ١٣٤) .
(٣) القاموس المحيط، (٦٥٢) .
[ ١٣٢ ]
الكينونة أو التواجد الزماني والمكاني والإنساني، بل في نفوسهم وذواتهم ووجدانهم وكيانهم جميعا، بكل مشمولاتها ومحتوياتها ومكوناتها، حتى وهو غائب عنهم. وكذلك بالنسبة له ﷺ حتى وهم غائبون عنه. فهو يتولى رعايتهم وتوجيههم وتربيتهم، حتى وهو يعمل معهم، وحتى في الحالات التي لا تدع لصاحبها مجالا لآخرين، كالمعارك. تجد ذلك مركّزا وواضحا ومقصودا، حتى كأنها كانت مناسبات يراد منها ذلك ويعمد له، يتعامل معهم فيها أفرادا وجماعات كل حسب استعداده، لكن يرتفع بالجميع، فيوجهه حسب استعداده وطاقته وحاجته، لكن الجميع بنفس الاتجاه.
وهم مهما ارتقوا يجدونه ﷺ قدوتهم وأسوتهم، وهو كذلك دوما.
فكأني ألمحهم موكبا متقدما نحو القمم متتابعين متعلقين برسول الله ﷺ، بحب لا نظير له، وإحساس فريد متوثب، بأجمل المشاعر، واقتداء مهيب.
وانظر مثلا قصة أصحاب يوم الرجيع (صفر السنة الرابعة للهجرة) «١» .
العشرة (أو الستة) الذين أخذوا غدرا وخديعة ولؤما من قبيلتين عربيتين، هما: عضل والقارة، قتلوا أكثرهم وباعوا الآخرين لأهل مكة، فقتلا في يوم واحد شهيدين، انتقاما لمعركة بدر. هما: خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنّة. فلما قدّموا زيدا (أو خبيبا) «٢» ليقتلوه صبرا، صلبا ورميا مشدودا على الخشب، سألوه إن يقبل أن يكون عند أهله ويكون محمد ﷺ يقتل مكانه، فقال: (والله ما أحب أنّ محمدا ﷺ الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي) . فقالوا: ما رأينا من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. أما خبيب فلما هددوه بالقتل إن لم يرجع عن الإسلام- نعوذ بالله العظيم- قال: (إن قتلي في الله قليل) «٣» .
_________________
(١) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، رقم (٣٨٥٨) .
(٢) سيرة ابن هشام، (٣/ ١٧٢- ١٨٣) . سبل الهدى: (٦/ ٦٧- ٧٤) .
(٣) سبل الهدى: (٦/ ٧٠) .
[ ١٣٣ ]
إن بناء الرسول الكريم ﷺ- كما أدّبه الله تعالى ورباه وأعده- أحد الأدلة على نبوته، وما أكثرها وأوفرها وأظهرها. فهو بذاته في سيرته الشريفة دون أي دليل آخر، بمستواه ونوعيته ومثاليته، دليل أي دليل «١» .
وتسير في عين الاتجاه من قصة ربيعة قصة حارث بن مالك الأنصاري الآتي ذكرها «٢» . وحب الصحابة هذا لرسول الله ﷺ وتمتعهم بحلاوة هذه الصحبة الكريمة جعلهم يفكرون ويرغبون ويطمعون ألا تنقطع، وأن تبقى موصولة حتى يوم القيامة، بل وفيها كذلك. والحق إنه أفق عظيم في عمق هذا الحب وصدقه وقوته التي عبق طيبها فملأ آفاق الحياة والنفوس والوجدان، ويشغلهم المحافظة عليها واستمرارها، ينعمون بها في الدنيا والآخرة. فيستجيب الله تعالى لهم حاثا على الأخذ بكل سبب يديم لهم متعة هذه الصحبة الكريمة وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: ٦٩- ٧٠] .
ورغم معرفة الصحابة الكرام﵃- أنه سيفارقهم، لكونه بشرا إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]، فما كانوا ليحتملوه بل حتى كأنهم لا يريدون وقوعه، أو كأنهم لا يكادون يريدون تصوره. وقد وجه الله ﷾ الأذهان إلى ذلك مبكرا، لما يعلمﷻ وعم نواله- من شدته عليهم «٣» . ولعل كل هذا الأمر- بأحداثه
_________________
(١) انظر ما قاله ابن حزم الأندلسي: أعلاه، ٦٠- ٦١.
(٢) التفسير: (٣/ ١٤٧٨) . المعجم الكبير، الطبراني، (٣/ ٢٦٦) . أسد الغابة، (١/ ٤١٤) . الإصابة، (١/ ٢٨٩) . حياة الصحابة، (٣/ ٢٣) . وتجد في حياة الصحابة (٣/ ٢٤- ٢٥) أمثلة أخرى عن معاذ بن جبل وسويد بن الحارث وأصحابه.
(٣) انظر: مثلا ما فعله سعد بن معاذ (٥ هـ) في معركة بدر. وما فعلته تلك المرأة الدينارية (من بني دينار، الأنصارية)، حين سمعت بما جرى لرسول الله ﷺ في معركة أحد.
[ ١٣٤ ]
المتعددة المتوالية المتعانقة- كان تهيئة لهذا الحدث الجلل، وهو أرحم الراحمين.
جرى ذلك إذا لتوضيحه من خلال ماجريات (مجريات) أحداث السيرة النبوية الشريفة وجريانها في نهرها الزلال وموكبها المنير وخطها المرسوم لتحقيق أهدافها التي صرفها الله؛ لتكون موطن العبرة والتربية والتوجيه الدائم. من ذلك ما جرى في معركة أحد، وما أنزل الله تعالى فيها «١» . ثم تلميحاته الكثيرة ﷺ لفرد- كما لا حظنا في قصة معاذ وهو يودعه لليمن- أو لجمع «٢»، أو أكثر، أو الجم الغفير في حجة الوداع.
ومع ذلك لم يتحملوا خبر موته ﷺ، كما جرى لعمر بن الخطاب وآخرين. وكلهم كان حزنه غامرا، حيث قال أنس بن مالك عن النبي ﷺ:
(شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات) «٣» .
_________________
(١) رغم علمها أنه قد أصيب فيها زوجها وأخوها وأبوها، مع رسول الله ﷺ بأحد. فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ، قالوا: خيرا يا أم فلان بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه أنظر إليه، حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل (تريد صغيرة هينة) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٩) . سيرة الذهبي، (المغازي) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٢٠٤) . وانظر كذلك: موقف سعد بن الربيع في أحد. سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٤) . سيرة الذهبي، (المغازي) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٢١٢) .
(٢) سورة آل عمران: (١٤٤) .
(٣) البخاري، رقم (٣٨١٦) .
(٤) أخرجه البخاري: فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه. زاد المعاد، (٣/ ٥٥) . سيرة ابن كثير، (٥/ ٥٤٤) . وشبيه بذلك ما قاله أبو سعيد الخدري. وكان إدراك أم أيمن (الحبشية) رائعا. انظر: التفسير، (٦/ ٣٩٣٨) . سيرة ابن كثير، (٤/ ٤٦) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٦) .
[ ١٣٥ ]