فدراسة السيرة النبوية الشريفة- والتاريخ الإسلامي عموما- بالنسبة لكل مسلم، مهمة أساسية، وإذا كان ذلك مهما لغير المتخصصين والباحثين في أية صيغة وهدف- دراسة وقراءة وحديثا وتدريسا وكتابة عن السيرة الشريفة، فلا بد من العيش في موكبها والسعي لمثلها، فهي لأهل التخصص وأمثالهم أهمّ وألزم وأوجب وأرغب، متابعة وتجلية وحثا وتأليفا، بصيغة تتناسب- قوة ودقة- وموقعها ذاك.
وإني كلما سرت، وتقدمت في المتابعة، وتعمقت فيها، فرحت
[ ٢٨ ]
بالجديد، كما اكتشفت جهلي بالكثير والكثير منها ومن جوانبها، وازددت علما ومعرفة وفقها وإقبالا وتعمقا.
والذي يتولى القراءة والدراسة لها- فضلا عن التأليف فيها- لا بد أن يقوم بكل ذلك، اقتداء واهتداء، وتقرّبا إلى الله، تمثّلا والتزاما وسلوكا، وارتقاء بإنسانيته، وإعلاء لتقواه.
فالسيرة النبوية الشريفة وصاحبها ﷺ الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة، واتّباعها ملزم للمسلم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] .
وهذا كله يقوم على المحبة المتشوقة المتعطشة، إلى حدّ كان بعض الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- يتحرّون اتّباع الرسول ﷺ في المندوبات والنوافل والأمور الاعتيادية، تقرّبا الى الله ﷾، وحبّا بالرسول الكريم ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .
بل إن عبد الله بن عمر بن الخطاب﵄- الصحابي الجليل (٧٤ هـ ٦٩٣ م)»
، كان يتحرى أن يتمثّل أسلوب الرسول الكريم ﷺ وأحواله ومشيته، ويترسّم مواطئ أقدامه، في طرقات المدينة وخارجها وغيرها، بل لعله يدفع ناقته لتنطلق في طريق سلكته القصواء، ناقة
_________________
(١) عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (﵄)، انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ٣/ ٩٥٠ (رقم ١٦١٢) . أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ٣/ ٣٤٠ (رقم ٣٠٨٠) . الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ٢/ ٣٤٧ (رقم ٤٨٣٤) . سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، ٣/ ٢٠٣ (رقم ٤٥) . شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي، ١/ ٣١٠. الوافي بالوفيات، الصفدي، ١٧/ ٣٦٢ (رقم ٢٩٧) . الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ٤/ ١٤٢. أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، علي وناجي الطنطاويين، ٤٣١ وبعدها. عبد الله بن عمر (الصحابي المؤتسي برسول الله ﷺ)، سلسلة أعلام المسلمين رقم (٦)، محيي الدين مستو (١٢٩- ١٣٣) .
[ ٢٩ ]
رسول الله ﷺ آملا أن (لعل خفّا يقع على خف) «١» . وكان يقول: (بعث الله نبيّه ونحن أجفى الناس، فنصنع كما صنع رسول الله ﷺ) «٢» .
وكم حبّب إليّ أخوة كرام- لا سيما من طلبة درّستهم السيرة النبوية الشريفة- أن أكتب السيرة بنفس الطريقة التي أدرّسهم بها، يوم كانوا طلابا يحضرون ويجلسون في قاعات ومدرجات الجامعة، للاستماع الى فصول من السيرة الشريفة. وها أنذا أبدأ اليوم «٣» (وقد بدأت ذلك بشكل محدود نحو سنة ١٩٨١ م)، مسرورا ومتشرفا ومتشوقا ومتبرعا ومهتديا ومقتديا، إن شاء الله تعالى.